ساسي سالم الحاج
126
نقد الخطاب الاستشراقي
الحبشة ، وكانت هذه أول هجرة للمسلمين إلى أرض النجاشي ، ومن هذه الهجرة نحو الجنوب الشرقي انبثقت فكرة الهجرة الكبرى إلى الشمال ، إلى يثرب حيث تأسست الدولة الإسلامية . ويقول « موير » في هذا الصدد : « إن الهجرة إلى الحبشة قرّبت محمدا ووجّهت انتباهه أكثر فأكثر إلى الديانة المسيحية ، ولو كان العرب لم يقدموا له حق اللجوء فلربما قد هاجر هو الآخر إلى الحبشة ، ولتضاءلت الديانة الإسلامية إلى هرطقة مسيحية سريعة الزوال كما حصل للعقيدة المونتنيسميّة » « 1 » . تناول « مونتجمري وات » ظروف الدعوة الإسلامية في مرحلتها المبكرة بتفصيل كبير ، وحلّل العوامل التي أدت إلى انتشار الإسلام في المجتمع المكي ، ودرس بالتفصيل المسلمين الأوائل وظروفهم ، وسبب هجرتهم إلى الحبشة . ويرى هو الآخر أن خديجة أول من آمنت برسالة زوجها ، ويشير إلى اختلاف الروايات الإسلامية حول الرجل المسلم الأول أهو عليّ ، أو أبو بكر أو زيد بن حارثة . ويرجح « وات » الرواية التي رشّحت عليّا لهذه المرتبة باعتباره كان صغيرا وكان يعيش في كنف محمد ولكنه يرى اطراح هذا الرأي من وجهة نظر المؤرخ الغربي . ويستند « وات » إلى رأي الطبري حول المسلمين الخمسة الأوائل ، وهم : عثمان ، والزبير ، وعبد الرحمن بن عوف ، وسعد ، وطلحة ، وهؤلاء الخمسة كانوا من المرشحين للخلافة بعد عمر ، فربما كان سبق إسلامهم هو الذي هيّأهم إلى هذه المكانة الرفيعة « 2 » . ويفصّل « وات » في تسمية المسلمين الأوائل من كل قبيلة استنادا إلى ما ذهب إليه « كايتاني » في حولياته . ونحن لا يهمنا في سرده لتلك الشخصيات الإسلامية الأولى المنتمية إلى القبائل المختلفة والمستندة إلى الروايات الإسلامية إلا تحليلاته حولها ، منها : أن هناك مسلمين أوائل من جميع هذه القبائل بلا استثناء ، وأن هناك شبابا من أفضل هذه العائلات قد اعتنق الإسلام منذ اللحظات الأولى من انبعاثه . ومنها : اعتناق رجال مستقلّين عن كل قبيلة للإسلام كحلفاء قريش من القبائل الأخرى وهم الذين أطلق عليهم ابن سعد « الشباب » أو « المستضعفين » لعدم وجود قبائل لهم تجمعهم . ومنها : أن الإسلام الفتي كان حركة شباب في أساسه لأن معظم المسلمين الأوائل لم يتجاوزوا الأربعين من أعمارهم عند الهجرة ، وكثير منهم من اعتنق الإسلام منذ ثماني
--> ( 1 ) Ibid , op . cit , p . 134 . ( 2 ) مونتجمري وات ، الجزء الأول ، المرجع السابق ، ص 145 .