ساسي سالم الحاج
120
نقد الخطاب الاستشراقي
ثم يتعرّض « موير » إلى سرد السيرة بالكيفية التي سردها بقية المستشرقين . غير أنه يؤكد في أكثر من مقام ذكر الجن ومدى تأثيرهم في العقلية العربية في ذاك الزمان حتى خشي محمد أن يكون ما حصل له من الوحي هو عبارة عن ضرب من الجنون أو بفعل الجن والأرواح الشريرة الأخرى . وربط هذا المفهوم بتساقط النجوم واحتراقها عند اقترابها من غلاف الجو الأرضي مع اعتقاد العرب الذين يرون أنها كانت رجما للشياطين ، ولعلّ ما ترسّخ في طفولة محمد من هذه الروايات ظهر جليّا في العديد من الآيات القرآنية « 1 » . وعند تحليله لتطور الوحي لدى الرسول ، عرض « موير » حالة العرب الداخلية ، وما يعانونه من قسوة في الحياة ، وسيطرة كل من بيزنطة وفارس عليهم ، وخلاف ونزاع قبلي لا ينقطع بينهم ، وظروف جغرافية محيطة بهم تقدم لهم آفاقا مستقبلية لعيش أفضل مما هم عليه ، وهذه الأمور مجتمعة يراها « موير » قد كوّنت الفكرة الحقيقية للدعوة الإسلامية والتي وصفها هذا الكاتب بأنها تعبير صريح عن « طموحات » محمد الشخصية . وهذه الطموحات الممتزجة بفكرة التعاليم الإلهية الواردة إليه من عل هي التي أدّت في النهاية إلى انتشار الإسلام بصورته المعروفة لدينا . وقد ارتبط هذا الطموح الشخصي كذلك باعتقاد راسخ في ذهن محمد أنه مبعوث العناية الإلهية لإخراج قومه من الظلمات إلى النور ، ومن هنا كان انتظاره الوحي كل مرة تتراءى له قضية يجب عليه البث فيها ، وهذا الوحي هو الذي يوجهه إلى الطريق المستقيم ، وهكذا يزوره جبريل كما زار من قبل زكريا ومريم عندما أبلغهما بمجيء المسيح إلى العالم « 2 » . ولعلّ أهم ما ذكره « موير » في هذه الفترة من السيرة النبوية محاولا إرجاع الأصول الإسلامية - كعادة أضرابه من المستشرقين - إلى عوامل خارجية وداخلية ، أن العديد من الأفكار المحمدية وبعض السور القرآنية المبكرة لم تحفظ لأنه لم يفهم منها ظاهريا على أنها موحاة إليه من اللّه ، ولكنها ربما تكون قد سجلت من قبل « ورقة » أو « علي » - وهو لا يزال صبيّا - أو زوجته خديجة أو من بعض أقاربها الذين نعلم عنهم بأنهم كانوا من الباحثين عن الدين الحقيقي ولهم علاقة بمعنى أو بآخر باليهودية والمسيحية . إن أصدقاء محمد وبعض أقربائه يستمعون بتوفير وتبجيل كبيرين إلى
--> ( 1 ) Ibid , op . cit , p . 90 . ( 2 ) Ibid , op . cit , p . 74 .