ساسي سالم الحاج

114

نقد الخطاب الاستشراقي

« ريتشارد بل » الذي يرى أن كلمة « وحي » في المقاطع الأولى من القرآن لا تعني « إيحاء » أو « إلهاما » يحدث لفكر إنسان ويأتي من الخارج « 1 » . أما الكيفية الثانية للوحي وهي كلام اللّه إلى الرسول من وراء حجاب فإن وات يعزوها إلى رواية الزهري - المشار إليها آنفا - والتي جاء فيها أن الرسول قد حبّب إليه الخلاء فذهب إلى غار حراء يتحنّث فيه الليالي ذوات العدد قبل أن يرجع إلى أهله ، ثم يرجع إلى أهله فيتزوّد بمثلها حتى فاجأه الحق فأتاه قائلا : « يا محمد أنت رسول اللّه » . ويعلّق « وات » على هذه الرواية بقوله : إن عبارة « من وراء حجاب » توحي إلينا أننا لسنا بصدد رؤية المتكلم ، ولكن يبدو أن هذا الأمر مضافا إلى ذكر لفظ الكلمات ، تضمن أن الكلمات قد سمعت وأننا بصدد تعبير خيالي « أو تعبير خارجي » . ولقد نزلت بعض السور الأولى بهذه الصورة ولكننا كما كنّا سمعنا قليلا جدّا عن هذه « الكيفية » فيجب علينا أن نفترض أنها نزلت « بالكيفية الأولى » . وبهذا نفهم أن « الكيفية » الثانية هي لوصف تجربة موسى » « 2 » . وعندما يتعرض « وات » للكيفية الثالثة للوحي وهي إرسال اللّه رسولا فيبلّغ الوحي إلى النبي . يرى آخر فقهاء المسلمين أن الرسول كان جبريل ، وأن هذا النوع من الوحي يمثل « الكيفية » النموذجية له ، ولكن علماء الغرب لاحظوا أن جبريل لم يذكر اسمه في القرآن قبل الفترة المدنية . ويعلّق « وات » على رأي هؤلاء الكتّاب الغربيين من أنه إذا اعتبر كلامهم صحيحا فإن الوحي كان عندئذ كما يبدو من نوع التعبير الخيالي ، ولكنه مصحوب بدون شك برؤيا عقلية أو خيالية لجبريل ، ويوحي قول الحديث « على صورة إنسان » بأنها كانت رؤيا خيالية « 3 » . ويندّد « وات » بالكتّاب الغربيين مثل « بولين » وأمثاله الذين يعزون الوحي الإلهي المنزل على محمد إلى نوع من الأوهام Hallucination ، ويعتبره بمثابة إصدار حكم فقهي دون الاطلاع الكافي على ما حدث وبالتالي التدليل على جهل مؤلم بالعلم والرأي السليم . وبعد تفسير للتجارب الخارجية والداخلية التي تصيب القديسين والمتصوّفين المسيحيين يصل « وات » إلى نتيجة علمية مفادها أن محمدا قد ميّز بين ما

--> ( 1 ) المرجع السابق ، ص 98 . ( 2 ) المرجع السابق ، ص 100 . ( 3 ) المرجع السابق ، ص 100 .