ساسي سالم الحاج
111
نقد الخطاب الاستشراقي
به ، ومن هنا كان توقفه لدى مرحلة الرؤيا والسماع . وهذه المرحلة المتقدمة من المراحل التي يمر بها المتصوفون وقف النبي عندها لم تكن من فعل الجن أو الشياطين أو أثرا من آثار الخيال ، ولكنها مرحلة أساسية تؤدي إلى التي تليها وهي الاتحاد في اللّه والحلول فيه ، وهو طريق ادّعاه معظم المتصوفة وأكدوا تجاوزهم له . وهذه الأوهام والانجذاب والوجد والافتتان معروفة لدى علم الطب النفسي الذي يعترف بأنه ليس هناك ما يميز تمييزا دقيقا بين المتصوفين والمرضى النفسانيين . وفي التحليل الأخير فإن التمييز الحقيقي بينهما ينصب على الشخصيات التي تعتريها هذه الظواهر . فهناك من جانب شخصيات ضعيفة لها أفكار عقيمة وغير متجانسة ، وهناك من جانب آخر شخصيات قوية ذات أفق واسع مستنير ، ونظرة ثاقبة بعيدة ذات أنشطة بناءة تجعل من تجاربها الروحية خلّاقة ومبدعة . ولكن الرسول ينتمي إلى الشخصية الثانية القوية الثاقبة النظر . المبدعة والخلاقة . وقد بذل جهدا عظيما للانتظام في هذا السلك وقهر ذاته . إلّا أن هذا الاتحاد والاندماج الذي يجب أن يتحقق من خلال التجارب الشخصية لكل فرد لا يمكن تحقيقه إلّا ضمن الإطار العام الذي يقدمه المجتمع . فالرسول قد اتبع منهج الزهد الذي قدمه له نموذج العزلة المسيحية والذي ربما قد طبقه في الوقت ذاته الحنفاء . ولم يكن ينتظر هذه الظواهر السمعية والبصرية غير العادية التي تبدّت له ، وهكذا استقبلها على طريقة سجع الكهّان وقوافي الشعراء وهو ما قدمه له المجتمع المكي في هذا الإطار ، وما إسراعه إلى خديجة وتدّثره بدثار يغطي به رأسه إلّا دليل على ما كان يفعله الكهّان في زمانه ، لقد انخلع فؤاده من هذا النموذج ولم يكن راضيا عنه ولكن لا بديل له عنه « 1 » . يقول « رودنسون » : إن ما سمعه الرسول وتلقاه من وحي كان يشابه من حيث الشكل سجع الكهّان ، فالجمل متقطعة لاهثة ، والنغم متتابع مسجوع ، والآيات مليئة بالقسم بالظواهر الكونية المختلفة والملموسة . فالرسول لم يأت بجديد من حيث الشكل ، ولكن المحتوى كان شيئا آخر ، إنه جديد كل الجدة ولا علاقة له بسجع الكهّان وهمساتهم وتمتماتهم ، إنه شيء آخر أعلى من هذه التمتمات انبثق غنيّا مفعما حيّا من لا شعوره « 2 » .
--> ( 1 ) Ibid , op . cit , p . 108 . ( 2 ) Ibid , op . cit , p . 109 .