ساسي سالم الحاج
108
نقد الخطاب الاستشراقي
المبحث المتعلق بالمستشرقين وظاهرة الوحي الإلهي . غير أن دراستنا للسيرة النبوية من وجهة نظر استشراقية تلزمنا بإعادة ما سطرناه من آراء « رودنسون » حول هذا السؤال تمهيدا للرد عليه مع آراء مونتجمري وات ، على أننا سنحاول أن نعرض تلك الآراء بطريقة تختلف وما قمنا به في مبحثنا المشار إليه . يجيب « رودنسون » عن السؤال الذي طرحه حول مصداقية الرسول بقوله : إننا لسنا في ذلك الزمان الذي ينظر فيه إلى الرسالات الدينية ومن يقومون بتبليغها على أنهم عبارة عن مفترين . ولسنا في ذلك الزمان الذي كان يعتبر فيه فلاسفة القرن الثامن عشر العقليون وعلماء اللاهوت أن محمدا كان نموذجا للشخص المحتال ، وأن هؤلاء الفلاسفة أطلقوا هذا الوصف على مؤسسي الديانات كافة . بل إن « فولتير » يجد لمحمد ظروفا استثنائية تتمثل في طموحه الشرعي لقيادة شعبه إلى موقع أقل إذلالا على مسرح التاريخ . وفي نهاية القرن التاسع عشر نجد مستعربا ألمانيا كبيرا وهو « هيوبرت جريم » يأخذ بهذه النظرية ويفسر الرسالة المحمدية على أنها دعوة إلى نوع من الاشتراكية ، ومحاول للإصلاح الاجتماعي تهدف إلى تغيير الأوضاع الفاسدة ، وعلى الأخص إزالة الفروق الصارخة بين الأغنياء الجشعين والفقراء المضطهدين . وليست هناك من طريقة ناجعة لإزالة هذه الفوارق إلا فرض ضريبة على الأغنياء تدفع للفقراء ، ولكن الرسول يعلم بأن مشروعه قليل الحظ من النجاح ، ولكنه في الوقت ذاته لم يتصوّر صراعا عنيفا بتلك الصور التي سيكون عليها في القرنين التاسع عشر والعشرين . ومن هنا أراد تخويف أغنياء مكة بعذاب الآخرة إذا لم يقوموا بدفع الزكاة للفقراء والمعوزين ، وهو إنما يستخدم فكرة الحساب في اليوم الآخر كوسيلة للضغط المعنوي ، وقد وصف « جريم » هذه العملية « بالاشتراكية » لأنه كان يعيش زمن اتساع وانتشار الأفكار النازية التي وصفت إيديولوجيتها بالوطنية الاشتراكية « 1 » . ويقول « رودنسون » : إن التقدم الذي أحرزه علم النفس وطب الأمراض العقلية ساعد الباحثين على فهم وتفسير ادعاءات المحتالين ، وبالرغم من أن أفعال وتصرّفات هؤلاء الناس قد تكون قابلة للعذر من عدمه فإن المحتالين الحقيقيين قد وجدوا فعلا بالرغم من أعدادهم المحدودة . ولكن هذه العلوم النفسانية والطب العقلي أثبتت أن هناك أناسا يعتقدون بصدق أنهم يتلقّون رسائل سمعية وبصرية عقلية من العالم الآخر ،
--> ( 1 ) RODINSON , Mahomet , op . cit , p . 103 .