ساسي سالم الحاج
106
نقد الخطاب الاستشراقي
ذهنه ، وأصبح يعتقد أن اللّه الذي اصطفاه لرسالته يعاونه ويساعده في مهمته وفي كل ما يحصل له من الحوادث التاريخية « 1 » . لندع « مونتجمري وات » قليلا ولنر ما ذهب إليه « رودنسون » في تحليله المادي للسيرة النبوية بعد البعثة ؛ فقد ترسم هو الآخر منهج « مونتجمري وات » فيما يتعلق بالرؤى الأولية للوحي الإلهي ، واستند هو الآخر إلى الحديث المرفوع لعائشة وقابل هو الآخر خوف الرسول من الظواهر الجديدة التي انتابته بما ينتاب قديسي العهدين القديم والجديد ، ويشير هو الآخر إلى أقوال القديسة « تيريز دي أفيلا » كما أشار إليها « مونتجمري وات » من قبله . ويردد الروايات الإسلامية حول بداية الوحي والمراحل الأولى التي مرّ بها ، وكيفية تلقيه الوحي ، وانقطاعه عنه فترة من الزمن ، ويأسه من ذلك الانقطاع حتى فكّر في الانتحار وذلك بإلقاء نفسه من شاهق ، وإبلاغ زوجته خديجة خوفه من أن ما يأتيه ربما يكون رئيا من الجن ، وكيف اصطحبته خديجة إلى ورقة بن نوفل ، وأخيرا كيف قذف اللّه في قلبه الطمأنينة والأمل لقوله تعالى : وَالضُّحى * وَاللَّيْلِ إِذا سَجى * ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى [ الضحى 1 - 3 ] . . . إلخ . إن محمدا لم يتعرّف مبدئيا إلى الملك الذي أنزل عليه الوحي ، وكان يصفه ب ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ ثم عرف أخيرا أنه جبريل ، وأن بعض الروايات الإسلامية قد أشارت إلى أن الملك الذي كان يأتيه قبل جبرائيل هو « إسرافيل » . وقد استند « رودنسون » في ذلك إلى ما رواه ابن عبد البر بسنده إلى الشعبي قال : « بعث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لأربعين ، ووكّل به إسرافيل عليه السلام ثلاث سنين ، ثم وكّل به جبريل عليه السلام « 2 » » . ثم يسهب « رودنسون » في رواية نزول الوحي بتفاصيلها ، وأخبار ورقة مع الرسول ، وتطمين خديجة له وحفظها الأمر سرّا ، ثم تتالي نزول الوحي الذي لم يكن بتلك الشدة التي كان بها في المرة الأولى ، وكيف تعوّده الرسول ولكن لحظة نزول الوحي عليه كان يمتقع وجهه ويتصبّب العرق من جبينه ، وتتقطّع أنفاسه ، ويبقى مغشيا عليه ساعة من زمان ، وكان يأتيه الوحي كصلصلة الجرس وهو أشده عليه فيفصم عنه وقد وعى عنه ما قاله ، وأحيانا يتمثل له الملك رجلا فيكلّمه فيعي ما يقول . ويقول « رودنسون » : إن ما يراه محمد أو يسمعه ينبع من داخل نفسه وكان يأتيه الوحي وهو في
--> ( 1 ) Ibid , op . cit , p . 17 . ( 2 ) النويري ، نهاية الأرب ، المرجع السابق ، ج 16 ، ص 175 .