ساسي سالم الحاج
101
نقد الخطاب الاستشراقي
الاقتصادية والاجتماعية وهو ما يعرف لديهم بالتفسير المادي للتاريخ والظواهر الكونية ، وبعضهم أرجع هذه الظاهرة إلى الأصول الزهدية المنبثّة في ضمير الرسول والتي أدّت في النهاية إلى ظهور الحركة الصوفية في الإسلام في أوضح وأجلى مظهر لها . ونحن وإن تعرضنا لهذه الظاهرة في الفصل الأول من الجزء الأول من كتابنا المشار إليه ، إلا أن المنهجية العلمية تحتم علينا العودة إلى هذا الموضوع لمعالجته بكيفية تختلف عمّا أسلفنا ذكره في المباحث السابقة طالما كان موضوع دراستنا السيرة النبوية . ولكن قبل أن نتعرّض لوجهة نظر المستشرقين حول هذه الظاهرة ، فإن البحث يتطلب منا تمحيص ودراسة وتحليل السيرة النبوية من وجهة نظر استشراقية طبقا للتتابع التاريخي والزمني لهذه السيرة حتى يصبح الموضوع كاملا وشاملا من الناحية الموضوعية والمنهجية . فهذا صاحبنا « مونتجمري وات » يتعرض إلى السيرة النبوية بعد البعثة مستندا في ذلك إلى الروايات الإسلامية ومبتدئا برواية الزهري المرفوعة عن النعمان بن راشد عن عروة عن عائشة أنها قالت : كان أول ما ابتدئ به رسول اللّه من الوحي الرؤيا الصادقة ، كانت تجيء مثل فلق الصبح . ثم حبب إليه الخلاء فذهب يتحنّث الليالي الطوال في غار حراء ثم يرجع إلى أهله حتى أتاه الحق وأبلغ بأنه رسول اللّه . ثم عودته إلى خديجة مضطرب الفؤاد يقول لها : « زملوني ، زملوني » حتى ذهب عنه الروع . ووصف كيف تبدى له جبريل وطلب منه القراءة ثلاث مرات حتى أقرأه الآيات الأولى من سورة القلم . وكيف ذهبت به خديجة إلى ورقة بن نوفل الذي أبلغه أنه قد أنزل عليه نفس الناموس الذي أنزل على موسى إلى آخر الرواية المعروفة لدينا « 1 » . وهكذا استطرد مونتجمري وات في إيراد الروايات الإسلامية عن الفترة الأولى للوحي وكيفية نزوله على الرسول ، وهي روايات معروفة ومشهورة لا داعي لإيرادها بالتفصيل طبقا لما أورده « وات » . ولكن الذي يهمنا تحليله لهذه الروايات والنتائج التي توصل إليها من خلالها ، ودراسة وتمحيص ما سماه ب « معالم » الروايات المختلفة . فهو لا يشك في أن
--> ( 1 ) مونتجمري وات ، محمد في مكة ، الجزء الأول ، المرجع السابق ، ص 76 - 78 باختصار وتصرف شديدين .