ساسي سالم الحاج
100
نقد الخطاب الاستشراقي
بالخصوص في واقعة شق صدره عندما كان مسترضعا لدى حليمة . كما أنكروا واقعة التحكيم التي قام بها عندما اختلف القرشيون في من يضع الحجر الأسود في مكانه عند إعادة بناء الكعبة . كما حاول المستشرقون ردّ معطيات السيرة إلى أصول نصرانية أو يهودية ، وأجهدوا أنفسهم في إيراد الأدلة والبراهين المستندة إلى الروايات الضعيفة والشاذة لتبرير هذه العلاقة ، وإيجاد هذه المؤثرات لنفي كل أصالة عن الدين الإسلامي . واعتبروا أن الدوافع النفسية هي التي قادت الرسول إلى اختراع منهجه للتبشير بديانة جديدة مستمدة في أصولها وفي تعاليمها من الديانات السماوية السابقة لها ، كما أن الدعوة الإسلامية لم تكن إلّا نتاج البيئة العربية بأخلاطها وأوشابها وتضارب القيم فيها . ونحن إذ سردنا عليك آراء المستشرقين عن السيرة النبوية قبل البعثة . فقد اخترنا الحوادث الجليلة منها ، والتي كانت مثار لبس ونقد من قبلهم . فعرضنا آراءهم أولا ، ثم حاولنا الرد عليها بمنطق علمي ثانيا ، وأهملنا العديد من الجزئيات التي لا أهمية لها في بيان منهجية هؤلاء المستشرقين ثالثا . وإذا كنا قد اقتصرنا على ما أتينا عليه في تتبّع السيرة المحمدية قبل البعثة من وجهة نظر استشراقية ، فما وجهة النظر الاستشراقية تجاه السيرة بعد البعثة النبوية ؟ . هذا ما سنعالجه في المبحث القادم بإذن اللّه . المبحث الثالث السيرة النبويّة بعد البعثة بمكّة لم يختلف المستشرقون على عمر النبي إبّان نزول الوحي عليه ، كما لم يختلفوا على الطريقة التي نزل بها الوحي عليه ، ولا على المكان الذي نزل فيه ، ولا على الآيات القرآنية الأولى التي نزلت إلّا حسب ما اختلفت عليه الروايات الإسلامية بالخصوص . ولكن الاختلاف الجوهري يتناول تفسير ظاهرة الوحي الإلهي المنزل على رسوله للعرب والناس كافة . فكل مستشرق حاول أن يفسّر هذه الظاهرة بتفاسير متباينة متغايرة ، فبعضهم مثلا يرجعه إلى حالة الرسول الباثولوجية ، وبعضهم الآخر يفسره بالعوامل النفسية . وهناك من يرجعه إلى حالة محمد الباطنية وتأثّره بأحوال مكة