ساسي سالم الحاج
65
نقد الخطاب الاستشراقي
مصر وسوريا . ولكنه أخيرا يدعو صراحة فرنسا إلى احتلال مصر للمنافع التجارية والسياسية التي تعود عليها . هذه الدعوة التي تحققت فعلا بعد عشر سنوات من انطلاقها عندما احتل نابليون مصر . تأثر نابليون بالأفكار الواردة في كتاب قولني ، وقد أشار إليه صراحة في تأملاته حول الحملة الفرنسية على مصر وسوريا التي أملاها على الجنرال « برتران » في جزيرة القديسة هيلانة . ويقول نابليون في هذا الصدد : إن « قولني » رأى أن ثمّة ثلاثة حواجز في وجه السيطرة الفرنسية في الشرق ، وأن أية قوة فرنسية لا بد من أن تحارب لذلك ، ثلاث حروب : الأولى ضد إنجلترا ، والثانية ضد الباب العالي العثماني ، والثالثة وهي أكثرها صعوبة ضد المسلمين « 1 » . طبق نابليون بصرامة الأفكار الواردة في كتاب « قولني » وسنشير إلى تلك التطبيقات العملية حين يأتي أوانها . ونود أن نستخلص العبرة من هذا العرض الذي أتينا على ذكره وهو أن العديد من الرحالة الأوائل الذين ارتادوا الشرق ، وكشفوا عن عقلية شعوبه ، وبيّنوا أحواله السياسية والاجتماعية والاقتصادية ودبجوا حوله التقارير العلمية والمؤلفات المتعددة قد استخدمت جميعا للسيطرة عليه . ولكن ما ذا عن أولئك المستشرقين الآخرين الذين استخدموا للاستيلاء على الشرق وتقديمه على طبق من ذهب لحكام أوروبا المتلهفين إلى ثرواته وخيراته ؟ . وما دور القناصل الأوروبيين المعتمدين في بلدان الشرق وشمال إفريقيا في هذه المشاريع الاستعمارية ؟ . إننا لا نستطيع سرد الرّحالة والمستشرقين كافة الذين ساهموا في هذا الميدان ولكننا نورد نماذج محددة لكي نبرهن على صحة ما افترضناه من استخدام الاستشراق في هذه المرحلة لأغراض سياسية واستعمارية ، وسنأخذ نماذج من أولئك الذين انطلقوا من ليبيا وتوغلوا في إفريقيا وسبروا مجاهلها ، وكانت دراساتهم وتقاريرهم قد تم التعويل عليها لسيطرة أوروبا على هذه الأصقاع ، وسنتعرض لبعض المستشرقين البريطانيين الذين خدموا الغايات الاستعمارية لبلدهم في الشرق ، ونخص بالذكر منهم « بالمر » و « لورنس » البريطانيين .
--> ( 1 ) napoleon Campagnes d'Egypte et de syrie 1749 - 1798 , memoire pour seruir l'histoire de Napoleon » Paris - Camou « 1843 ; I : 211 .