ساسي سالم الحاج
30
نقد الخطاب الاستشراقي
تلك الأصقاع من سكان وأماكن وإنتاج تساعد المحتل على تنظيم نفسه بناء على هذه المعلومات لتحقيق مشروعاته في الفتح والتوسع والاحتلال . إن فتوحات الإسكندر الأكبر قذفت بالإغريق والرومان إلى المسرح الشرقي . وكان ذلك أول التقاء حضاري بين هذين العالمين المتمايزين ، بصرف النظر عن النتائج السياسية التي تمخضت عنه . فحصل اليونان على معلومات قيّمة وصحيحة عن هذا العالم الشرقي الغامض الأسرار ، وكانت تلك المعلومات تشوبها الأساطير والخيال ، وهكذا برزت الحقيقة ناصعة البياض أمام أولئك العلماء ، وأخذ التأثير والتأثير يمارس فعله بين الحضارات الإنسانية المتصلة الحلقات ، وكان ذلك أول لقاء علمي بين عالم الشرق والغرب حاول الأخير التعرف فيه بالأول ، وهكذا بدأت الدراسات الاستشراقية تتكون تدريجيا وإن كنا بعيدين جدا تاريخيا وعلميّا عن وصفنا لتلك الدراسات بأنها استشراقية بالمعنى العلمي المتعارف عليه حاليّا لدينا . تجلّت العلاقة الثقافية بين الشرق والغرب في هذه الآونة التاريخية التي نتناولها في قيام الإسكندر الأكبر بإرسال ألواح من بابل إلى بلاد اليونان ، وقام علماؤها بترجمتها ، فعرفت علوم الفلك وتقويم البلدان ، كما استقدم هذا الفاتح العجيب العديد من العلماء الأفذاذ ، فأفادوا واستفادوا ، وسوف نرى لاحقا كيف أن نابليون قد قلّد الإسكندر عندما استجلب معه مئات العلماء الفرنسيين في مختلف التخصصات إبان حملته العسكرية على مصر في أواخر القرن الثامن عشر والتي نعتبرها إحدى المحطات الرئيسة لنشأة الاستشراق الحديث وتطوره . لقد أحدث دخول اليونان إلى البحار العربية الجنوبية بعد مرورهم بالبحر الأحمر والخليج العربي علاقات ثقافية وطيدة بين اليونان وشعوب الشرق ، فبالإضافة إلى تلك التقارير التي دوّنها قادة الإسكندر عن البلدان التي مرّوا بها ، وبجانب إقامة العديد من الفلاسفة اليونان في الشرق والذي نجم عنه ازدهار الفلسفة اليونانية في الإسكندرية ، وإنشاء تلك المدارس العلمية الرفيعة في الرّها وحرّان وجنديسابور ، فقد أدخل اليونان النقود إلى هذه البلدان الشرقية ، لأنّه عثر في عدة مواقع من الجزيرة العربية على نقود ضرب بعضها على طراز نقود الإسكندر الأكبر ، وضرب بعض آخر في أيام خلفائه ، وهذا يدل على ذلك الالتقاء الذي أدخل عنصرا جديدا في التجارة الدولية التي كانت قبل اليونان مبنية على المقايضة المباشرة بين السلع .