ساسي سالم الحاج
15
نقد الخطاب الاستشراقي
أصل الاستشراق ونشأته لا بد لدراس الظاهرة الاستشراقية من الرجوع إلى التاريخ لتأصيلها وبيان كيفية نشأتها وتطورها ، والمراحل العديدة التي مرت بها . إلّا أن المنهج العلمي الذي نحاول تطبيقه بصرامة حول هذه الدراسة يقتضي منا بداية تعريف هذه الظاهرة وبيان مفهومها ، والمجال الذي تتناوله . حتى يلمّ القارئ بالموضوع إلماما كافيا يجعله على دراية وبصيرة بما يتناوله . ذلك أن السرد التاريخي وإن كان يؤصل الدراسة من بدايتها ، إلا أنه لا يعطي فكرة واضحة عن مفهومها ، خاصة إذا علمنا صعوبة تحديد هذا الموضوع الذي نحن بصدده ، وتشعب الآراء حوله ، وتضاربها عن حسناته وسيئاته . سنتناول في هذا الباب مفهوم الاستشراق بصورة عامة ، وسنتعرض للمراحل التاريخية التي مرّ بها منذ أقدم العصور حتى وقتنا الحاضر ، وسنفرد لكل مرحلة مبحثا خاصّا نبين فيه مميزاتها ، وخصائصها ، وتطور هذه الدراسات في إبانها . وهذه الدراسة ستتناول العلاقة بين الشرق والغرب منذ غابر الأزمان ، وكيفية اتصال هذين العالمين المتمايزين جغرافيّا ببعضهما ، مشيرين إلى المؤثرات الثقافية والحضارية والسياسية التي تبادلاها . ثم يعرج بنا البحث إلى دراسة العلاقة بين المسيحية والإسلام ، وهو بيان واضح لمصطلحات تحكم العلاقات الدولية في ذلك الزمان ، آثرنا لأسباب ستأتي في أوانها تغيير تلك المصطلحات من الشرق والغرب إلى المسيحية والإسلام . وعندما نصل إلى العصر الحديث فسوف نطلق على هذه العلاقة تلك الروابط الثقافية والحضارية والسياسية التي ربطت بين أوروبا وأمريكا من جهة وبين الشرق الأدنى بصفة خاصة والشرق بصفة أعمّ من جهة أخرى . ثم نأتي أخيرا لدراسة مناهج المستشرقين بعد أن نكون قد أعطينا التبشير ما يستحقه من بحث باعتباره الأصل الحقيقي للاستشراق .