العلامة المجلسي

350

بحار الأنوار

من عشيتكم ، أن يحرم ذريتكم العطاء ، ويفرق مقاتليكم في مفازي الشام ، وأن يأخذ البرئ منكم بالسقيم ، والشاهد بالغائب ، حتى لا يبقى له بقية من أهل المعصية إلا أذاقها وبال ما جنت أيديها ، وتكلم الأشراف بنحو من ذلك . فلما سمع الناس مقالتهم أخذوا يتفرقون وكانت المرأة تأتي ابنها أو أخاها فتقول : انصرف ! الناس يكفونك ، ويجيئ الرجل إلى ابنه أو أخيه ويقول : غدا تأتيك أهل الشام ، فما تصنع بالحرب والشر ؟ انصرف ! فيذهب به فينصرف ، فما زالوا يتفرقون حتى أمسى ابن عقيل ، وصلى المغرب وما معه إلا ثلاثون نفسا في المسجد . فلما رأى أنه قد أمسى وليس معه إلا أولئك النفر ، وخرج متوجها إلى أبواب كندة فلم يبلغ الأبواب إلا ومعه منهم عشرة ثم خرج من الباب وإذا ليس معه انسان يدله ، فالتفت فإذا هو لا يحس أحدا يدله على الطريق ، ولا يدله على منزله ، ولا يواسيه بنفسه إن عرض له عدو ، فمضى على وجهه متلددا في أزقة الكوفة لا يدري أين يذهب ؟ حتى خرج إلى دور بني جبلة من كندة ، فمضى حتى أتى إلى باب امرأة يقال لها طوعة أم ولد كانت للأشعث بن قيس ، وأعتقها وتزوجها أسيد الحضرمي فولدت له بلالا ، وكان بلال قد خرج مع الناس ، وأمه قائمة تنتظره . فسلم عليها ابن عقيل فردت عليه السلام فقال لها : يا أمة الله اسقيني ماء فسقته وجلس ودخلت ثم خرجت فقالت : يا عبد الله ألم تشرب ؟ قال : بلى قالت : فاذهب إلى أهلك ، فسكت ، ثم أعادت مثل ذلك ، فسكت ، ثم قالت في الثالثة : سبحان الله يا عبد الله قم عافاك الله إلى أهلك فإنه لا يصلح لك الجلوس على بابي ولا أحله لك ، فقام وقال : يا أمة الله ما لي في هذا المصر أهل ولا عشيرة ، فهل لك في أجر ومعروف ، ولعلي مكافيك بعد هذا اليوم ، قالت : يا عبد الله وما ذاك ؟ قال : أنا مسلم بن عقيل كذبني هؤلاء القوم ، وغروني وأخرجوني ، قالت : أنت مسلم ؟ ! قال : نعم ، قالت : ادخل . فدخل إلى بيت دارها غير البيت الذي تكون فيه ، وفرشت له وعرضت عليه العشاء فلم يتعش ، ولم يكن بأسرع من أن جاء ابنها فرآها تكثر الدخول في