محمد احمد معبد
69
نفحات من علوم القرآن
ففي موضع يسألون ، وفي موضع آخر لا يسألون ) . وهناك آيات ظاهرها اختلاف ، مثل قوله تعالى : اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وقوله : فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ . فقد حمل الشيخ أبو الحسن الشاذلي الموضع الأول على التوحيد ودليله في هذا قوله تعالى : وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ والموضع الثاني على الأعمال وقيل : إن الثانية ناسخة للأولى . ومما يظهر فيه اختلاف قوله تعالى : فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً مع قوله تعالى : وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فالآية الأولى تفهم إمكان العدل ، والثانية تنفيه . والجواب هنا : أن الآية الأولى في توفية الحقوق ، والثانية في الميل القلبي وليس هذا في مقدور العبد . ثالثها : الاختلاف في جهتي الفعل : وذلك في مثل قوله تعالى : فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وقوله : وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى وهنا أضيف القتل إليهم والرمي إليه صلّى اللّه عليه وسلم على سبيل الكسب والمباشرة ، ونفاه عنهم وعنه باعتبار التأثير . رابعها : الاختلاف في الحقيقة والمجاز : ويتضح ذلك من قوله تعالى : وَتَرَى النَّاسَ سُكارى وَما هُمْ بِسُكارى أي أنهم سكارى من الأهوال مجازا ، وليس من الشرب حقيقة . خامسها : اختلاف بوجهين واعتبارين : ويدل على ذلك الاختلاف قوله تعالى : الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ مع قوله تعالى : إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ فقد يظن أن الوجل خلاف الطمأنينة وجواب ذلك : أن الطمأنينة تكون بانشراح الصدر بمعرفة التوحيد ، والوجل يكون بالخوف من الزيغ والذهاب عن الهدى ، فتجل القلوب لهذا ، وقد جمع اللّه تعالى بينهما في قوله جل شأنه : تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ . ونكتفي بهذا القدر من الأمثلة حيث أن هذا المختصر لا يتحمل أكثر من هذا . واعلم أن اختلاف القرآن الكريم ليس تناقضا . بل إن بعضه يوضح البعض الآخر ، ولا