محمد حسين علي الصغير
53
نظرية النقد العربي ( رؤية قرآنية معاصرة )
موضوعة للدلالة على قرب الوجود بمحال أن يكون نفيها موجباً وجود الفعل » « 1 » . ثامناً : وفي كل كلمتي « ذهب » و « بنورهم » من قوله تعالى : مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ « 2 » دلالة مركزية في انسحاب أثر نفي العام على نفي الخاص ، ولم يستعمل المثل : « الضوء » بدل « النور » ولا « اذهب » « ذهب » إلا مراعاة لذلك بما أشار إليه الزركشي ( ت 794 ه ) بقوله : ولم يقل : « بضوئهم » بعد قوله أَضاءَتْ لأن النور أهم من الضوء ، إذ يقال على القليل والكثير ، وإنما يقال الضوء على الكثير ، ولذلك قال تعالى : هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً « 3 » ففي الضوء دلالة على الزيادة ، فهو أخص من النور ، وعدمه لا يوجب عدم الضوء ، لاستلزم عدم العام عدم الخاص ، فهو أبلغ من الأول ، والغرض إزالة النور عنهم أصلًا ، ألا ترى ذكره بعده تَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ وهنا دقيقة ، وهي أنه قال : ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ ولم يقل « أذهب نورهم » لأن الإذهاب بالشيء إشعار له يمنع عودته ، بخلاف الذهاب ، إذ يفهم من الكثير استصحابه في الذهاب ، ومقتضى من الرجوع » « 4 » . تاسعاً : والكلمة « عبدا » بتقييدها « مملوكاً » في ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْداً مَمْلُوكاً . . . « 5 » قد يتبادر لأول وهلة في الذهن أن العبد دون تقييد فيه دلالة على عدم الحرية فلما ذا هذا التقييد إذن ، ولكن الفهم الدقيق يقتضي التقييد ، لأن الحر والعبد سواء أمام الله تعالى ، فهما عبدان له ، اتصفا بالحرية أو العبودية ، فأراد الاحتراز من هذه الناحية بأنه عبد مملوك وليس بحر مقيد .
--> ( 1 ) ابن الزملكاني : البرهان الكاشف عن إعجاز القرآن : 154 . ( 2 ) البقرة : 17 . ( 3 ) يونس : 5 . ( 4 ) الزركشي ، البرهان في علوم القرآن : 3 / 402 . ( 5 ) النحل : 75 .