محمد حسين علي الصغير
51
نظرية النقد العربي ( رؤية قرآنية معاصرة )
وتتابع الأمداد فأنت أمام فيض من السيول ، وكثافة من الأزباد ، ومهما أجال اللغوي فكره في معجمه فإنه لن يصل إلى كلمة تسد مسدها في الدلالة على صورة المعاني النابعة منها . وفي هذا الضوء فإنني أميل إلى ما ذهب إليه زميلنا الدكتور العزاوي بقوله « إن في استقرار اللغة ، وثبات صيغتها ، قيمة عظمى ، ونفعاً محموداً ، وذلك في أكثر من وجه . فبعض الصيغ الموروثة ، والتراكيب المتداولة ، تؤدي المراد منها بدقة لأنها اكتسبت دلالة خاصة تعارف عليها الناس وأصبح من العسير أن تقوم مقامها أو تؤدي مؤداها عبارات أخرى قد يبتدعها أهل اللغة ، ويحلونها محل تلك العبارات « 1 » . والدليل على صحة هذه الدعوى ما لمسناه من استعمال المثل القرآني للألفاظ المتقدمة : صفوان ، وابل ، مشكاة ، الظمآن ، لجي . سابعاً : وفي « لم يكد يراها » من قوله تعالى : إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها « 2 » دلالة لغوية على إرادة عدم الرؤية الحقيقية ونفيها إطلاقاً ، بما أثبته النقاد اللغويون ، تخطئة لابن شبرمة وتصحيحاً لقول ذي الرمة ، حين بلغ هذا البيت « 3 » : إذا غير النأي المحبين لم يكد * رسيس الهوى من حب مية يبرح فقال له ابن شبرمة : يا ذا الرمة أراه قد برح ، ففكر ساعة ثم قال : إذا غير النأي المحبين لم أجد * رسيس الهوى من حب مية برح قال الراوي : فرجعت إلى أبي الحكم بن البحتري فأخبرته الخبر ، فقال : أخطأ ابن شبرمة حيث أنكر عليه ، وأخطأ ذو الرمة حيث رجع إلى قوله ، إنما هذا كقول الله عزّ وجلّ :
--> ( 1 ) نعمة رحيم العزاوي ، النقد اللغوي عند العرب : 321 . ( 2 ) النور : 40 . ( 3 ) ذو الرمة ، ديوان شعر ذي الرمة : 90 .