محمد حسين علي الصغير
47
نظرية النقد العربي ( رؤية قرآنية معاصرة )
لها أزيزها الحالم ، وصوتها المهموس ، ونغمها الرقيق ، نتيجة لالتقاء حرفي السين متجاورين بما لا نحققه كلمة أخرى تؤدي نفس المعنى ، ولكنها لا تؤدي هذه الدلالة الصوتية التي وفرتها هذه الكلمة برقة وبساطة . وكما دلت الألفاظ دلالة صوتية معينة في الاستعمال المثلي في القرآن فكذلك لمسنا لبعض الحروف دلالة صوتية معينة يتعاقبها في سلك بعض الألفاظ حتى عادت ذات وقع خاص على السمع ، وطبيعة مواتية في الحس من خلال ترادفها وتناظرها واحتشادها ، وسنختار منها « الفاء » العاطفة ، نظراً لاختيار المثل لها دون سواها في دلالته الصوتية كما يلي : أولًا : الفاء في كل من « اختلط » و « أصبح » في قوله تعالى : فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً . . . « 1 » فيها ترتيب وتعقيب يصك السمع في دلالة وقع الأمر دون حائل وبلا فاصل تعبيراً عن الخسران النهائي ، والحرمان المتواصل دفعة واحدة ، وهنا تلتقي الدلالة الصوتية بالدلالة الاجتماعية بما يستفاد من معنى لغوي . ثانياً : ويتمثل هذا التوالي عطفاً بالفاء دالًا على سرعة الإيقاع ، وعدم الإمهال ، بما يوحيه للسمع وللذهن كلًا غير منفصل بقوله تعالى : فَأَصابَها إِعْصارٌ فِيهِ نارٌ فَاحْتَرَقَتْ . . . « 2 » فلا حائل ولا زمن بين الإصابة والاحتراق ، إذ تختفي الحدود الزمنية فما هي إلا لحظات حتى تعود الجنة رميماً بمفاجأة الإصابة وشدة الاحتراق ونفاذ الأمر . ثالثاً : وما يقال آنفاً يجري تطبيقه على كل من قوله تعالى : فَأَصابَهُ وابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً . . . « 3 » وقوله تعالى :
--> ( 1 ) الكهف : 45 . ( 2 ) البقرة : 266 ( 3 ) البقرة : 264