محمد حسين علي الصغير
31
نظرية النقد العربي ( رؤية قرآنية معاصرة )
وإذا وافقنا ابن قتيبة في تقرير الموضوع الأصل وهو سليم جداً ، فإننا نخالفه في طبيعة فهمه ، وتطبيق الحكم على النماذج التي اختارها دليلًا على صحة دعواه . ولا سيما في الضرب الثاني الذي حسن لفظه وقصر معناه ، فإنه يستشهد بهذه الأبيات « 1 » . ولما قضينا من منى كل حاجة * ومسح بالأركان من هو ماسح وشدت على حدب المهاري * رحالنا ولا ينظر الغادي الذي هو رائح أخذنا بأطراف الأحاديث * بينا وسالت بأعناق المطي الأباطح ثم يعقب عليها ناقداً ومعلقاً بقوله « هذه الألفاظ كما ترى أحسن شيء مخارج ومطالع ومقاطع ، وإن نظرت إلى ما تحتها من المعنى وجدته : ولما قطعنا أيام متى ، واستلمنا الأركان ، وعالينا إبلنا الأنضاء ، ومضى الناس لا ينتظر الغادي منهم الرائح ، ابتدأنا في الحديث وسارت المطي في الأبطح « 2 » . فابن قتيبة ببساطة يحكم على سذاجة المعنى ، ويدعي في الألفاظ سلس العبارة ، وجودة المخارج ، وحسن المقاطع ، ولكنني ألمس مخالفته في الموضعين : أ - اعتبر الألفاظ في سياقها جيدة المخارج والمقاطع والمطالع ، وقد يكون بعضهما كما رأى ، ولكن أقل ما قبح البعض الآخر مجتمعاً توالي حروف الحلق في حاءاتها وهاءاتها والعين والغين مما يمنع تقاطرها في النطق وانصبابها في التحدث إلا بتكلف ، وهي على وجه الضبط : حاجة ، ومسح ، هو ، ماسح ، على ، حدب ، المهارى ، رحالنا ، الغادي ، هو ، رائح ، الأحاديث ، أعناق ، الأباطح ، فما رأيك في أبيات عدة ألفاظها ثلاثون لفظاً اشتمل منها أربعة عشر لفظاً على حروف مخرجها واحد لا يتعداه وهو الحلق
--> ( 1 ) تنسب الأبيات إلى كثير غزة كما في الديوان : 525 ، وقيل لابن الطثرية وقيل للمضرب كما في معاهد التنصيص : 241 . وتنسب للمضرب وحده كما في أمالي المرتضى : 1 / 458 ، وإلى هؤلاء وغيرهم كما في تخريج هامش أسرار البلاغة : 21 ، رقم 25 . ( 2 ) ابن قتيبة ، الشعر والشعراء : 8 .