محمد حسين علي الصغير
15
نظرية النقد العربي ( رؤية قرآنية معاصرة )
دون الجاحظ الذي استعمل المادة في هيئة أخرى ، وهي التصوير فقد اعتبراها أداة للتعبير عن الإطار الخارجي لمثال الشيء وهيئته وصفته ، وقد امتد هذا الاستعمال إلى عصر عبد القادر الذي يقول : تشبيه الشيء بالشيء من جهة الصورة والشكل . أو جمع الصورة واللون « 1 » . يريد بذلك الهيئة والصفة مقابل المادة والجوهر . وأما ابن الأثير فقد تأثر نسبياً بقدامة ، وجعل الصورة قسيماً للمعنى ، أو في مقابلة أي اعتبرها الشكل ، واعتبر المعنى مادة لهذا الشكل ، وقوم الصورة فرأى تشبيه المعنى بالصورة أبلغ أقسام التشبيه الأربعة ، لتصويره المعنى الوهمي المجرد بالصور المشاهدة عياناً ورأى تشبيه الصورة بالمعنى ألطف الأقسام لأنه تصرف حي ينقل الصورة المحسوسة إلى الصورة المعنوية المتخيلة . ويبدو أن الصورة في حدود ما عرضوه لا تتعدى ما ذكر لها في مداليل لغوية ، وإن توسع فيه إلى ما يشمل الصورة المتخيلة في أقسام التشبيه ، وإنما أرادوا بذلك الشكل كما أراد ذلك اللغويون ، فهذا ابن سيده ( ت 458 ه ) يقول : « الصورة في الشكل » « 2 » وهو يريد بالشكل الهيئة الخارجية التي يتمثل فيها الشيء . وقد تطلق عند اللغويين على الحقيقة والهيئة معاً ، قال ابن الأثير : الصورة ترد في كلام العرب على ظاهرها ، وعلى معنى حقيقة الشيء وهيئته ، وعلى معنى صفته ، يقال صورة الفعل كذا وكذا أي هيئته ، وصورة الأمر كذا وكذا أي صفته « 3 » . ولعل عبد القادر الجرجاني هو أول من أعطى للصورة دلالة اصطلاحية وهي تعني لديه الفروق المميزة بين معنى ومعنى ، وشبهها بالفروق التي تميز هيكل إنسان ما عن إنسان ، وخاتم عن خاتم ، وسوار عن سوار ، ولكن هذه الفروق بوقت انطباعها على هيئة الشيء فإنها يستدل بها على حقيقته .
--> ( 1 ) الجرجاني ، أسرار البلاغة : 81 . ( 2 ) ابن منظور ، لسان العرب : 6 / 143 . ( 3 ) المصدر نفسه : 6 / 144 .