غالب حسن
76
نظرية العلم في القرآن ومدخل جديد للتفسير
هذه الآية أو الآيات تحتاج أو تتطلب في دلالتها هذه إلى إعمال الفكر ، أي لا بدّ من تقليب الفكر في جهاتها وشؤونها وتضاعيفها لأجل ان تؤدي هذا الدور ، والأسلوب لا بدّ أن يكون سليما متقنا ، يعتمد الدقة والضبط والحساب ، فهي اذن آيات للتفكير الذي يقود بالأخير إلى معرفة خالقها ومصوّرها ، وليس من ريب ان أي محاولة استنتاجية تستوجب مادّة تفكير ، والآيات هنا هي المادّة . قال تعالى : كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ . إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ . إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ . الآيات هنا مادّة تفكير وتعقل ونظر وتأمّل ، والغاية القصوى هي معرفة اللّه جلّ وعلا ، والعقل بطاقته الجبّارة يشكل آلة العمل المطلوب . وهي ليست برهانا جاهزا ، بل لا بدّ من الجهد العقلي ، ولذا قد يجمد البعض إمّا لتقصير في التفكير وإما لعدم التوسّل بالمنهج الصحيح . مواصفات الآية : لما كانت الآية هي ميدان النظر والعقل والتفكر ، أي مادّة البحث لغرض الوصول إلى اللّه ، فلا بد أن تكون واضحة ، بيّنة ، منيرة ، وأي غموض وإبهام في هذا المجال يعقد الغاية ويفصل بينها وبين أهل الفكر مساحات طويلة وصعبة ، ومن هنا يعرض القرآن حشدا من الآيات بالاعتماد على الظواهر والحقائق والأمور التي هي في متناول الحس ، ولكل انسان القدرة الكافية بل والقدرة المتيسرة على التعامل مع هذه الآيات ؛ لأنها ليست من الأمور الخافية والمستورة بل الظاهرة المعلومة للجميع دونما حدود أو قيود ، فالسماء والأرض والماء والهواء والليل والنهار والنبات والحيوان