غالب حسن

222

نظرية العلم في القرآن ومدخل جديد للتفسير

هناك كتاب قد عرض على الرسول آنذاك - ورواية ذلك ضعيفة . وبهذا تكون ( الكلمة ) وصلتها بالوحي قد أخذت مسارا جديدا . لقد تخطّت عمليّة التلقين والتغيير والاستنهاض ، فهي ليست متلقاة من اللّه تعالى وحسب وليست ذات اتجاه تلقيني ينتظر الاستسلام الهادئ البريء ، وليست مجموعة تكاليف ستلقى على عاتق إنسان ذي جدارة بالوفاء الإنجازي ، ولا هي نداء فرضه منطق متحكم لا يفلّه الّا الاستنهاض ، هي كل هذه الابعاد الجوهرية وأكثر ، جماع هذه الحقائق مع زيادة في غاية الخطورة ، بل زيادة تقرر خاتمة الإرادة الإلهية في الأرض . انها المعادل الموضوعي للكمال ، الكمال المعنوي المادي ، هذه الكلمة بلغت الذروة في الكمال . قال تعالى : وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلًا . هذه الكلمة استحكمت فصول الحياة والتاريخ ، لذا كان لها ان ( تقرأ ) . لقد كانت بدايتها وعاء ثم تطورت لتحمل معنى التغير كمسئولية ، أي امتحان للأداء ثم هي آليات استنهاض مفصّل ، نداء ذو مدخول مسمّى بالمهمّات ثم هي ذات النبي . وأخيرا هي المادّة المقروءة ، لما ذا ؟ ! لأنها كملت عبر تكلم المراحل الجذرية ، فصار من حقها ان تقرأ ، ولما كانت ( اقرأ ) هي بداية الوحي ، وهي التي سوف تقرأ ، تكون الكلمة هذه قد نسجت جسدها الحار من قبل ومن بعد ، شغفت بروحها ابتداء ، واستمرارا وخاتمة ، فمحمّد هنا قرأ القراءة ، وكل مسلم عندما يتلو هذه الآيات المباركة انما يقرأ القراءة . ان إيحاء الكلمة تلقينا لا يوازي إيحاءها ابتلاء ، وإيحاؤها ابتلاء لا يرتقي إلى إيحائها نداء ، والنداء دون التجسيد ، ولكن الايحاء بقراءة الكلمة ، التي هي بنفسها من مادّة القراءة انما هو اعلان لشأن العقل بأنه جوهر