غالب حسن
165
نظرية العلم في القرآن ومدخل جديد للتفسير
تؤكد هذا المعنى لتحريف ( كلمة اللّه ) أو الكلم ، ولعل الصياغة القرآنية التي تقول يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ تعطي هذا اللون من التصور ، ففي كتب التفسير ، يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ أي كلام اللّه مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ أي من بعد ان وضعه اللّه مواضعه ، أي فرض فروضه وأحل حلاله وحرم حرامه . . . ] . وهذا البيان هو جوهر المعنى ولكن لا يصيبه بالصميم ، أن مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ ، تعني في الغاية القصوى ، ذلك الواقع الحق ، وتحريفه ايجاد الواقع المزيف ، فان تغيير حكم اللّه في الزنا ونقله من حد الرجم إلى أربعين جلدة ، انما هو انشاء واقع فاسد على الأرض بدل واقع هو الحق . ان دراسة أجواء الآيات في موضوع تحريف الكلم تكشف بوضوح عن هذا المعنى للتحريف ، فالآية ( 13 ) من سورة المائدة مسبوقة بتفصيل الميثاق الذي اخذه اللّه على بني إسرائيل لكن القوم حذفوه بواقع آخر . يقول اللّه تعالى في ذلك : وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَبَعَثْنا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً وَقالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ ، فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ . . . « 1 » . يقول تعالى : يا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنَّا بِأَفْواهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ
--> ( 1 ) المائدة ، الآية 12 ، 13 .