غالب حسن
152
نظرية العلم في القرآن ومدخل جديد للتفسير
على الفقه والفهم والرأي ، والإبانة والفصل ، والكلام يحتل مكانة جوهرية من هذه القدرات والمواهب الفذة ذلك سواء كان هذا العجز عن خرس طارئ أو عجز تلقائي لا يعرف سببه إلّا بإرادة اللّه سبحانه وتعالى ، ومن المفارقة الجميلة هنا ان تحصل معجزة باتجاهين غير متساوقين ابدا ، فالعجز عن الانجاب يتبدل إلى قدرة فائقة على الانجاب القوي المتين ، والقدرة على النطق المتميز تتحول إلى عجز لفظي كليل ، ورغم المسافة المتضادة بين المعجزتين ، الا ان كلتيهما تتغذى من الأخرى باتجاه التوكيد والتحقيق ، والنهاية هي المفارقة الواضحة ، اي يأتي منطيق من لسان اصابه العجز فترة ما ! ! واعتقد ان مثل هذه الحادثة إذا حصلت في اوساطنا ، فإننا سوف نقرن الحالة الجديدة بذلك الطارئ الغريب السابق عليها . قال تعالى : وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا ، فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا ، فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ قالُوا يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا ، يا أُخْتَ هارُونَ ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا ، فَأَشارَتْ إِلَيْهِ قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا ، قالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا « 1 » . مرة أخرى نلتقي بالمفارقة ولكن ضمن معطيات إضافية ، فإذا كان زكريا قد اعتقل لسانه اعجازا فان مريم سلام اللّه عليها نذرت الصمت إرادة ، وإذا كان يحيى قد رزق المنطق الراقي صبيا وعن إرادة كما يبدو ، فان عيسى عليه السلام نطق اعجازا وهو رضيع ، وكان نطقه حكمة حيث
--> ( 1 ) مريم ، الآيات : 25 - 30 .