غالب حسن

145

نظرية العلم في القرآن ومدخل جديد للتفسير

بَعْدِ ما عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ . وتستمر مسيرة الكلمة في استكناه المعاني أو الدلالات الضخمة عندما نعرف ان من احدى استعمالاتها « قضاء اللّه في التاريخ » كما في قوله سبحانه وَلَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ ، وتتواصل القابلية الفذة للاستعمال لتشير إلى أشياء اللّه المنبثة في الكون وَلَوْ أَنَّ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ . . . وانسجاما مع هذه التجليات الرائعة لدلالة الكلمة في الكتاب العزيز ، تأتي بمعنى نفس التشريع الرباني العظيم الذي هو إرادة اللّه في حياة الانسان وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلًا لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ . . . نكتفي بهذا المقدار البسيط لبيان مدى النقلة الجوهرية لدلالات هذه المادة من حدودها المعجمية إلى الفضاءات الرحبة والعميقة التي ابتدعها القرآن الكريم ، وللانسان ان يتصور كم هي الفاصلة بين المفردة اللغوية والتي قد تكون عابرة على لسان المتحدث ، وبين المفردة الكونية التي هي لبنة أساسية في نظام الوجود المحكم ، وذلك مهما تبدت لنا هذه المفردة بسيطة وعادية للوهلة الأولى . هنا يبرز سؤال مهم : ما هي مسوغات استعمال ( الكلمة ) في هذه المجالات الجوهرية الكبيرة ؟ ! أي علامة بين مادة الموضوعة ( ك ، ت ، ب ) ومفردات الكون وقضاء اللّه في الحياة والزمن وتشريع السماء في صياغة الوجود الانساني ؟ لا اعتقد ان هناك مسوغا أعمق من القول : بأن كل شيء قابل للقراءة والمعاينة والحركة فهو بالتالي « كلمة » فالمخلوق كلمة كونية ، والامضاء الإلهي في الأمم والشعوب والافراد كلمة تاريخية نافذة ، وحكم اللّه كلمة