محمد حسين علي الصغير

60

نظرات معاصرة في القرآن الكريم

يقول أهل المنطق ، لم يكتب مثله بمستواه دراية ورواية واجتهادا للملاحظ الآنفة . وكان الهدف الرئيسي فيه - كما يبدو من مباحثه - ردّ شبهات الملحدين ، وتوحيد صفوف المسلمين ، بعد أن نزغ الشيطان بينهم ، وتشتّتت الآراء وغلبت الأهواء ، وذلك حينما ظهر التصوف مقارنا للمذهب الفلسفي ، فألقى كل منهما بجرانه في ساحة الوطن العربي ، وأقطار العالم الاسلامي ، فأولى كل منهما للرياضة النفسية والمجاهدة ما أولاها ، وقدمها على ما سواها من البحث الموضوعي ، فاستخدمت الفلسفة في تفسير النص ، والحكمة في إثبات المراد والمسالك الصوفية في تأويل القرآن ، وبقي أهل الحديث على قدمهم متعبدين بالظواهر المحضة للرواية ، وإن خالفت الكتاب أحيانا ، واصطدمت بنزاهة الرواة ، وتشعب الأسانيد ، وتابعهم على هذا جملة من المحدثين ، فقبعوا على الاختلاف والاسفاف بين وثاقة الرواة والاختلاف ، وغزت العزلة المسلمين ، فقنعوا بترهات الحياة عن الواقع ، ولجأوا بالابتعاد - عن الناس - إلى الفرار ، فتذرعوا بتفسير الباطن حينا ، وحجب الظواهر الدلالية في اللغة حينا آخر ، كما تعلقوا بالتأويل الاشاري والمنهج الصوفي بعض الأحايين . وأناخت فلسفة المتكلمين بكلكلها ، وحطت مذاهب الاحتجاج بثقلها ، فتعصب كل لقضيته ، ونصر كل كلامي مذهبه ، فتشتت الحقائق بيد النزعات ، وخلد قوم إلى الفلسفة الإغريقية ، فأخضعوا القرآن لرياضات مفترضة ، فتأولوا كثيرا من مسلمات الاعتقاد في القرآن : كالحياة بعد الموت ، والبعث والنشور ، والجنة والنار ، وحدوث السماوات والأرض ، تأويلا يلائم عناصر الفلك ، وحساب النجوم ، وتعدد البروج ؛ وهي - بجملتها - مقاييس فجة تتجافى مع طبيعة القرآن التشريعية « 1 » . وهنا يبرز دور الشيخ الطوسي في تسخير طاقاته التفسيرية والبيانية والأصولية والفقهية والكلامية في ارساء الأسس التفسيرية المقارنة ، وهو بذلك قد أفاد من تجارب المؤصلين ، وأضاف من معالم التجديد اللمسات

--> ( 1 ) ظ : المؤلف ، المبادئ العامة لتفسير القرآن الكريم : 79 .