محمد حسين علي الصغير

57

نظرات معاصرة في القرآن الكريم

أن أبا عمرو إسحاق بن مرار الشيباني الكوفي ( ت : 206 ه ) وهو تلميذ المفضل الضبي الكوفي ( ت : 170 ه ) كان راوية للشعر ، ولكنه كان متحرجا من كتابته ، فأخذ عهدا على نفسه ، إذ كتب شعرا لقبيلة من العرب كتب بإزائه مصحفا يضعه في المسجد ، فعدّ ما كتب من مصاحف فوجد نيفا وثمانين مصحفا بخط يده ، لأنه كتب أشعار نيف وثمانين قبيلة من قبائل العرب « 1 » . وفي هذا دلالة على مدى العناية بالقرآن ، حتى كأن الجهد الذي يبذل في غيره ضياع ، فلا بد والحال هذه من تقديم جهدنا في القرآن ، إن لم يكن تأليفا أو مدارسة ، فهو استنساخ على الأقل كما فعل الشيباني ، وأضرابه كثير . وهذا الملحظ هو الذي امتد به فضل الكوفة ، وريادتها الأولى إلى بغداد ، فأدى إلى تأسيس مدرسة بغداد في اللغة والتفسير والبيان العربي . إذ كان رئيس هذه المدرسة ومؤسسها الحقيقي هو ابن قتيبة ( ت : 276 ه ) . وقد ولد أبو عبد اللّه بن مسلم ابن قتيبة في الكوفة عام ( 213 ه ) وانتقل إلى بغداد ، وظل يزاول التدريس والتعليم : تفسيرا ونحوا وبلاغة إلى أن توفي في أول رجب عام 276 ه / 30 أكتوبر 889 م . وهناك ألف كتبه القيمة الثمينة السيّارة مع كل جيل « 2 » ، وكان كتابه « تأويل مشكل القرآن » « 3 » من عجائب المصنفات جودة واتفاقا وتبويبا ، وهو - وإلى اليوم - أصل من أصول البحث التفسيري واللغوي والبلاغي في سياق متناسق . وقد نشأ في ظلال ابن قتيبة وجهوده المبتكرة - وامتد من بعده - كيان مستقل عظيم للقرّاء في مدرسة بغداد ، حتى نشأ أبو بكر بن مجاهد التميمي ( ت : 324 ه ) فكان إمام القراء - دون منازع - وكبير المتنفذين دينيا

--> ( 1 ) ظ : ابن النديم ، الفهرست : 101 . ( 2 ) ظ : بروكلمان ، تأريخ الأدب العربي : 2 / 222 . ( 3 ) ظ : قوائم مؤلفاته في كل من : ابن النديم : 77 + ياقوت ، معجم الأدباء : 1 / 160 + بروكلمان ، تأريخ الأدب العربي : 2 / 224 .