محمد حسين علي الصغير

49

نظرات معاصرة في القرآن الكريم

وكانت الدولة العربية في الأندلس تحتضن الحواضر العلمية في كل من إشبيلية وغرناطة وطليطلة وقرطبة ، فانتشرت الثقافة وكثر التصنيف ، وحملت المجامع والجوامع برءوس التراثيّين الاعلام . وكان المشرق الاسلامي في حواضره العلمية يغذي الحركة الثقافية بأمداد من فيضه المتدفق في الفقه والحديث والأصول والأدب وعلوم القرآن والتفسير فكان إقليم خوارزم ، وخراسان ، وجرجان وطبرستان والري حواضر علم ، ومحافل شعر ، ومقرّات تصنيف وتأليف ، ومجامع الفحول من علماء العربية والاسلام . وكان القرآن الكريم في جميع ما ذكرنا من مدارس وأقاليم ودول ومشاهد هو المتصدر لحلقات الدرس والبحث والاستكشاف العلمي ، وكانت الريادة فيه تعني سبر ما في أغواره من عمق ، وبيانه من اتساق ، وأبعاده من بلاغة ، وسوره من إعجاز ، وآياته من تأويل وكشف وتفسير . وتبقى مدارسة القرآن في جدية ، واستيعاب جزئياته بنهم ، تكوينا وأصالة من نصيب مكة والمدينة في مرحلة البداية ، ومدرستي البصرة والكوفة في مرحلة التأصيل لهذا الفن ، وامتد فيما بعد ذلك الشعاع الهادي إلى الحواضر العربية تدريجيا حتى استقطبها جميعا في أبعاد متفاوتة ، وكان ما قدمته هذه الحواضر من جهود قرآنية ، يصل بها إلى الذروة الصاعدة من بين الجهود الانسانية المبدعة . ولا غرابة أن تكون مرحلة التكوين لعلم التفسير وقد رسخت النواة الصالحة التي انبثقت عنها مدونات علم التفسير في مرحلة التأصيل ، ويمكننا إلقاء الضوء عليها بما يلي : 1 - مدرسة مكة ، وكان قوامها بعد النبي وآله وأصحابه : النخبة الرائدة من أصحاب ابن عباس ( ت : 68 ه ) وابن عباس رأسها . وقد نبغ فيها كنموذج أرقى : مجاهد بن جبر المكي ( ت : 100 - 103 ه ) وعكرمة مولى ابن عباس ( ت : 104 ه ) وأمثالهما من الرواد الأوائل ، ممن أخذ عن ابن عباس أخذا حثيثا متواصلا .