محمد حسين علي الصغير
25
نظرات معاصرة في القرآن الكريم
وهؤلاء هم الناس ورسالته شاملة لأفرادهم ، مستغرقة لأجناسهم دون اختصاص بقوم عن قوم ، ولا أمة دون أمة ، يعضده قوله تعالى : وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً سبأ / 28 . فإذا جمعنا له قوله تعالى : وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ 107 الأنبياء / 107 ، خلص لنا أنه رسول البشرية ، وما إرساله إلا رحمة للعالمين ، وهذا الارسال يحمل في طياته ملامح البشارة الرضية المرضية ، وصرخة النذارة الهادرة المدوية ، ذلك ما يعلنه قوله تعالى : إِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً البقرة / 119 . ويؤكده قوله تعالى : يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً 45 الأحزاب / 45 . وهنا تضاف الشهادة إلى البشارة والنذارة لتتم حلقة الوصل العالمية في التدرج البياني ليصل إلى ذروته في التبليغ بقوله تعالى : وَأَرْسَلْناكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً النساء / 79 . وقد وضع اللّه تعالى على الناس ذاته القدسية شهيدا على هذا الارسال العالمي . ثانيا : والمنطلق البارز في تشخيص عالمية القرآن نصا ومضمونا تأكيد القرآن على خطاب الناس - كل الناس - في تعليماته الإلهية ؛ وهذا المنطلق يتحدث فيه القرآن إلى الناس في مختلف شؤونهم ، ويدعوهم بعامة إلى الأخذ بالأصلح من الأنظمة إزاء تدوير الواقع البشري المتقلب ليقف به على مرفإ الأمان ، ويستقر مستويا بشاطئ الخلاص ، وأول ما يدعوهم إليه سنن التوحيد المطلق في ظلال ملكوته قال تعالى : يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ البقرة / 21 ، يدعم ذلك الملحظ بالكتاب الذي أخرج كل الناس إلى النور . . الر كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ إبراهيم / 1 . ويوجه هؤلاء الناس نحو اللّه باعتبارهم مضطرين له ، فقراء إليه ، وهو في غنى وعز ومنعة عنهم ، يحمد بغناه ، ويعبد لآياته : يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ 15 فاطر / 15 . وإذا كان الناس بهذه الفاقة ، محتاجين ولا يحتاج إليهم ، فحري بهم أن يتجهوا نحو اللّه في الشؤون والشجون والآمال ، ولا يتكلموا على الأحلام والأماني ، فوعد اللّه حق ، ووعد غيره الغرور . قال تعالى : يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا فاطر / 5 ، ولا يقف القرآن عند هذا الحد في تذكير الناس وتحذيرهم ، وتقويمهم ومتابعتهم ، بل يتسع في