حسن البنا
43
نظرات في كتاب الله
من أسباب النزول والمأثور في الآية الكريمة ، وأظنك بعد هذا عرفت أن ما أكتبه إلى مدارسة القرآن أقرب منه إلى التفسير ، ولم لا نتدارس القرآن على صفحات هذه الجريدة الغرّاء ، ولم لا تكون هذه المدارسة نوعا آخر من أنواع التفسير ، ومسلكا مبتكرا من مسالكه ؟ ولأعد بك بعد ذلك إلى المدارسة » . القرآن معيار البنا في كل أموره : ومن أهم الأمور التي تدل على أن البنا كان رجلا قرآنيّا يعيش القرآن ويمارسه فكرا وتطبيقا ، أنه كان يهتم بما اهتم به القرآن ، ويجعله معيارا له ، ولم يكن ينساق وراء عاطفته التي قد تجرّه وراء قضايا فرعية تبعده عن الأصول ، أو وراء جزئيات تشغله عن الكليات ، وهذا للأسف ما يقع فيه بعض الدعاة المعاصرين ، فقد كان البنا يركز على ما ركز عليه القرآن ، نجد ذلك في رسالة التعاليم عند وضعه للأصول العشرين ، لقد ركز فيها على وحدة المسلمين على منهج ثقافى وفكرى يتحدون عليه ، ولذا رأينا تلامذة البنا الذين شرحوا أصوله العشرين ، تنبّهوا لذلك جيدا عند شرحهم لها ، فنجد عالما كالشيخ محمد الغزالي رحمه الله يجعل عنوان كتابه الذي شرح فيه الأصول العشرين : ( دستور الوحدة الثقافية بين المسلمين ) ، ونجد الشيخ القرضاوى يجعل عنوان سلسلة شرح الأصول العشرين : ( نحو وحدة فكرية للعاملين للإسلام ) وهم قد استمدوا هذا الفهم من هدف إمامهم من الأصول العشرين ، وما فهم الإمام البنا هذا الفهم إلا من القرآن ، لأنه اتّخذ القرآن معيارا له في كل القضايا ، ولذا نراه يصيب في كثير من القضايا كبد الحقيقة ، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ، وبفضل معايشة القرآن ، والاستمداد منه . بل حتى في أعوص المسائل التي هي محل نزاع ، وفي المسائل الشائكة ، نراه يتبنّى منهج القرآن في عرضها ، نرى ذلك في قضية العقيدة ، وشرحها للناس ، هل يتخذ المنهج الفلسفي العقلي ، أم المنهج التفصيلي المتعمق بذيول المسائل النظرية ، الذي لا يقوّى عقيدة ، ولا يغرس يقينا في القلب ، ويظل يفرّع فروعا تذهب بعقل الإنسان وقلبه بعيدا عن معاني العقيدة الصافية . يقول رحمه الله مبينا أولوية منهج القرآن في شرح العقيدة للناس ، وأفضليته على أي أسلوب آخر :