السيد علي الموسوي الدارابي
65
نصوص في علوم القرآن
ألا ترى أنّ القائل يقول : كنت أقرأ اليوم القرآن ، وسمعت فلانا يقرأ القرآن ، فلا يريد جميع القرآن على العموم ، وإنّما يريد الجنس . ونظائره في اللّغة لا تحصى ، ألا ترى أنّ العرب تقول : هذه أيّام أكل فيها اللّحم ، وهذه أيّام أكل فيها الثّريد . وهو لا يعني جميع اللّحم وأكل الثّريد على العموم ، بل يريد الجنس والنّوع . وقد استقصيت هذه النّكتة في مواضع كثيرة من كلامي . فأمّا قوله تعالى : وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ « 1 » ، فلا : ندري من أيّ وجه دلّ على أنّه أنزل جملة واحدة ، وقد كان أنّه رحمه اللّه يبيّن وجه دلالته على ذلك . وهذه الآية بأن تدلّ على أنّه ما أنزل جملة واحدة أولى ، لأنّه تعالى قال : قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وهذا يقتضي أنّ في القرآن منتظرا ما قضى الوحي به وقوع منه ، فإنّ نزول ذلك على أنّ المراد به قبل أن يوحى إليك بأدائه ، فهو خلاف الظّاهر . وقد كنّا سئلنا إملاء تأويل هذه الآية قديما ، فأملينا فيها مسألة مستوفاة ، وذكرنا عن أهل التّفسير فيها وجهين ، وضممنا إليهما وجها ثالثا تفرّدنا به . وأحد الوجهين المذكورين فيها : أنّه كان عليه السّلام إذا نزل عليه الملك بشيء من القرآن قرأه مع الملك المؤدّي له إليه قبل أن يستتمّ الأداء ؛ حرصا منه عليه السّلام على حفظه وضبطه ، فأمر عليه السّلام بالتّثبّت حتّى ينتهي غاية الأداء ؛ لتعلّق الكلام بعضه ببعض . والوجه الثّاني : أنّه صلّى اللّه عليه وآله نهى أن يبلغ شيئا من القرآن قبل أن يوحى إليه بمعناه وتأويله وتفسيره . والوجه الّذي انفردنا به : أنّه صلّى اللّه عليه وآله نهى عن أن يستدعي من القرآن ما لم يوح إليه به ؛ لأنّ ما فيه مصلحة منه لا بدّ من إنزاله وإن لم يستدع ، لأنّه تعالى لا يدّخر المصالح عنهم وما لا مصلحة فيه لا ينزله على كلّ حال ، فلا معنى للاستدعاء ولا تعلّق للآية بالموضع الّذي وقع فيه . ( 1 : 401 - 405 )
--> ( 1 ) - طه / 114 .