السيد علي الموسوي الدارابي

60

نصوص في علوم القرآن

قالوا : ومعنى قوله : مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ المراد به قبل أن يقضى إليك وحي بيانه ، وتفسير معناه ؛ لأنّ لفظة « القضاء » وإن كانت على وجوه معروفة في اللّغة ، فهي هاهنا بمعنى الفراغ والانتهاء إلى الغاية ، كما قال تعالى : فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ « 1 » . وكما قال الشّاعر : ولمّا قضينا من منى كلّ حاجة * ومسّح بالأركان من هو ماسح أي فرغنا من حاجاتنا ، وانتهينا إلى غاية الوطر منها . فأمّا الجواب الثّالث ، الزّائد على ما ذكر : فهو أنّه غير ممتنع أن يريد ، لا تعجل بأن تستدعي من القرآن ما لم يوح إليك به ، فإنّ اللّه تعالى إذا علم مصلحة في إنزال القرآن عليك أمر بإنزاله ، ولم يدّخره عنك ؛ لأنّه لا يدّخر عن عباده الاطّلاع لهم على مصالحهم . فإن قيل على هذا الوجه : إنّه يخالف الظّاهر ؛ لأنّه تعالى قال : وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ ولم يقل بطلبه واستدعائه ، والظّاهر يقتضي أنّ الاستعجال بنفس القرآن لا بغيره . قلنا : الأمر على ما ظنّه السّائل . وعلى الوجوه الثّلاثة في تأويل الآية لا بدّ من تقدير ما ليس في الظّاهر ؛ لأنّ على الوجهين الأوّلين المذكورين لا بدّ من أن يقدّر : لا تعجل بتلاوة القرآن ، إمّا على سبيل الدّرس والتّحفّظ على ما ذكر في الوجه الأوّل ، وأن يتلوه على أمّته قبل إنزال البيان . وأيّ فرق في مخالفة الظّاهر ، بين أن يقدّر : ولا تعجل بتلاوة القرآن ، أو يقدّر : لا تعجل بطلب القرآن واستدعاء نزوله ؟ . فإن قيل : هذا يدلّ على وقوع معصية من النّبيّ عليه السّلام في استدعائه ما لم يكن له أن يستدعيه من القرآن ؛ لأنّ النّهي لا يكون إلّا عن قبيح . قلنا : النّهي لا يكون إلّا عن قبيح لا محالة ؛ لكنّ النّهي لا يدلّ على وقوع الفعل المنهيّ عنه ؛ لأنّه قد ينهى عن الفعل من لم يواقعه قطّ ولا يواقعه ، ألا ترى أنّ النّبيّ عليه السّلام نهي عن الشّرك وسائر القبائح ، كما نهينا ، ولم يدلّ ذلك على وقوع شيء ممّا نهي عنه منه ! وهذا أيضا يمكن أن يكون جوابا لمن اعتمد على الوجهين الأوّلين إذا قيل له : أفوقع منه عليه السّلام تلاوة القرآن على أمّته قبل نزول بيانه ، أو عجل بتكريره على سبيل الدّرس كما

--> ( 1 ) - فصّلت / 12 .