السيد علي الموسوي الدارابي
10
نصوص في علوم القرآن
1 - علوم للقرآن يستشفّ من هذا العنوان أنّ المراد منه جميع العلوم الّتي وجدت لخدمة القرآن ، وتمهيد الأرضيّة لفهمه ودرك معارفه أو اكتناه جوانبه الأخرى . ولو أمعنّا النّظر في علوم الأدب الّتي لها علاقة بالقرآن لرأينا أنّ جميعها تقريبا ينضوي تحت هذا العنوان . فعلم النّحو - مثلا - قد وجد لهذا الغرض كما هو معروف ، وذلك حينما سمع الإمام عليّ عليه السّلام رجلا يقرأ آية البراءة على النّحو التّالي : أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ « 1 » بكسر لام « رسوله » ، فالمعنى على هذا إنّ اللّه متبرّم ومشمئزّ من المشركين ورسوله . وهذا غلط ، فإنّ معنى الآية هو أنّ اللّه ورسوله متبرّئان من المشركين . فأدرك عليه السّلام حينذاك الخطر المحدق بالقرآن الكريم ، فأحضر أبا الأسود الدؤليّ ، ولقّنه علم النّحو بقوله : « الكلمة اسم وفعل وحرف ، وكلّ فاعل مرفوع ، وكلّ مفعول منصوب ، وكلّ مضاف إليه مجرور » ثمّ قال له : « انح هذا النّحو » ، ولهذا سمّي النّحو نحوا ، واعتبر الإمام عليّ عليه السّلام مبتكر هذا العلم ، وقد نقل المرحوم آية اللّه العظمى النّائينيّ بعض الرّوايات في هذا الخصوص . « 2 » فعلم النّحو وشقيقه الصّرف قد وضعا لأوّل مرّة للقرآن ، ثمّ عمّ اللّغة العربيّة وعلومها . كما هو الحال في علم المنطق ؛ إذ ابتكره الفيلسوف اليونانيّ « أرسطو » ، للوقوف أمام السّفسطة في علم الفلسفة ، وشمل بعد ذلك جميع العلوم وخصوصا العلوم العقليّة . أمّا علم المعاني والبيان والبديع في الإسلام فقد وضع أساسا لدرك سرّ إعجاز القرآن الكريم ؛ لأنّ إحدى النّواحي البارزة للإعجاز القرآنيّ منذ بدء النّزول هي بلاغة القرآن الّتي اعتبرت ولا زالت من المسلّمات عند أرباب البلاغة وقد تحدّى بها القرآن غير مرّة . بيد أنّ قواعدها وأسرارها كانت غير واضحة المعالم ، على أنّ الملحدين في القرن الثّاني فما بعده أخذوا يشكّكون في بعض آيات القرآن وعباراته ، وكانوا يرمون من وراء ذلك المساس بصحّتها . ممّا حدا بالأدباء المسلمين ، وخصوصا المعتزلة منهم أن يهبّوا لبيان كنايات القرآن الّتي تبدوا متشابهة بحسب ظاهرها ، ويدعوا إلى التّمعّن في القرآن من النّاحية الأدبيّة . ووقفوا شيئا فشيئا على سرّ إعجاز القرآن الّذي يعدّ أساس هذه العلوم الثّلاثة الّتي يرتبط كلّ منها بإحدى جوانب البلاغة والفصاحة للقرآن ومحسّناته اللّفظيّة والمعنويّة ، ثمّ أصبحت فيما بعد ثلاثة علوم مستقلّة عن بعضها بعضا .
--> ( 1 ) - التّوبة 3 . ( 2 ) - راجع ( أجود التّقريرات ) للمرحوم آية اللّه العظمى السّيّد الخوئيّ 1 : 22 .