مناع القطان
77
نزول القرآن على سبعة أحرف
مناقشة الرأي الثاني : ويجاب عن الرأي الثاني الذي يرى أن المراد بالأحرف السبعة سبع لغات من لغات العرب نزل عليها القرآن ، على معنى أنه في جملته لا يخرج في كلماته عنها فهو يشتمل في مجموعه عليها - بأن لغات العرب أكثر من سبع ، وبأن عمر بن الخطاب وهشام بن حكيم كلاهما قرشي من لغة واحدة ، وقبيلة واحدة ، وقد اختلفت قراءتهما ، ومحال أن ينكر عليه عمر لغته ، فدلّ ذلك على أن المراد بالأحرف السبعة غير ما يقصدونه ، ولا يكون هذا إلّا باختلاف الألفاظ في معنى واحد ، وهو ما نرجّحه . وكان عمر شديدا في الأمر بالمعروف إذ يقول : « فلببته بردائه » أي جمع عليه ثيابه عند لبته لئلا ينفلت منه ، وإنما ساغ له ذلك لرسوخ قدمه في الإسلام وسابقته بخلاف هشام ، فإنه كان قريب العهد بالإسلام ، فهو من مسلمة الفتح ، فكان النبي صلّى اللّه عليه وسلم أقرأه على ما نزل أخيرا ، فنشأ اختلافهما من ذلك ، ومبادرة عمر بالإنكار محمولة على أنه لم يكن سمع حديث : « أنزل القرآن على سبعة أحرف » إلا في هذه الواقعة . قال ابن جرير الطبري بعد أن ساق الأدلة مبطلا هذا الرأي : « بل الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن هن لغات سبع في حرف واحد ، وكلمة واحدة ، باختلاف الألفاظ واتفاق المعاني ، كقول القائل : هلم ، وأقبل ، وتعال ، وإلىّ ، وقصدي ، ونحوى ، وقربى ، ونحو ذلك ، مما تختلف فيه الألفاظ بضروب من المنطق وتتفق فيه المعاني ، وإن اختلفت بالبيان به الألسن ، كالذي روينا آنفا عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، وعمن روينا عنه ذلك من الصحابة ، أن ذلك بمنزلة قولك : « هلم وتعال وأقبل » وقوله : « ما ينظرون إلّا زقية » ، و إِلَّا صَيْحَةً . وأجاب الطبري عن تساؤل مفترض : ففي أي كتاب اللّه نجد حرفا واحدا مقروءا بلغات سبع مختلفات الألفاظ متفقات المعنى ؟ أجاب : بأننا لم ندّع أن