محمد علي سلامة

143

منهج الفرقان في علوم القرآن

وأساليبه في التخيير بين الفعل والترك أيضا مختلفة : ( 1 ) التصريح بلفظ الحل مثل : أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ « 1 » . ( 2 ) نفى الإثم عن الفعل مثل : فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ « 2 » . ( 3 ) نفى الجناح مثل : لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا إِذا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ « 3 » . والمتتبع لأساليب القرآن في جميع مخاطباته يجدها متنوعة في أعلى درجات البلاغة ولأسلوبه من القوة ما يملأ القلوب روعة والأسماع هيبة فلا يمل قارئه ولا يخلق بترديده . فيه ما يشبه السجع وليس بسجع وهو مع ذلك غير ملتزم وإنما قلنا يشبه السجع وليس بسجع لأن ألفاظه تابعة لمعانيه وليس معانيه تابعة لألفاظه بخلاف السجع وفيه الموازنة وليست له بلازمة . ألفاظه يقل فيها الغريب وهي مع سهولتها جزلة عذبة منسجمة مع بعضها متشاكلة لا ينبو لفظ عن أخيه مع سمو المعاني ونبالة الأغراض ومن ثم كان السر في بلاغته وإعجازه . ومما امتاز به أسلوب القرآن أنه كان محاذيا للدعوة والتشريع الإسلامي فهو في مخاطبة كفار قريش قوى المقاطع قصير الآيات مع التهديد والوعيد ، وهو في تشريع الأحكام يفيض رحمة ورجاء ، وهو في كلا الحالين لا يبارى ، ومن هنا خضعت له رقاب الجبابرة وخرست أمامه ألسنة البلغاء . ولو شئنا أن نتكلم في أسلوب القرآن من جميع جهاته لاحتاج ذلك إلى مؤلف طويل ولنكتف بتلك الإشارة ، والله أعلم .

--> ( 1 ) المائدة : 1 . ( 2 ) البقرة : 173 . ( 3 ) المائدة : 93 .