محمد علي سلامة
133
منهج الفرقان في علوم القرآن
الدين التي لا يكتفى فيها بالظن بل لا بد فيها من اليقين ، وحصول اليقين في المدعى من اللفظ متعذر . لذا أوجبوا الوقف بعد التنزيه عن الظاهر المستحيل وقد تمسكوا بهذا الدليل العقلي وبما روى عن عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم هذه الآية هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ . . إلى قوله . . أُولُوا الْأَلْبابِ قالت : قال رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم ( فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذرهم ) وأخرج الطبراني في الكبير عن أبي مالك الأشعري أنه سمع رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : لا أخاف على أمتي إلا ثلاث خلال أن يكثر لهم المال فيتحاسدوا فيقتتلوا ، وأن يفتح لهم الكتاب فيأخذه المؤمن يبتغى تأويله وما يعلم تأويله إلا الله ) . وقد ورد أن رجلا يقال له صبيغ قدم المدينة فجعل يسأل عن متشابه القرآن فأرسل إليه عمر ، وقد أعد له عراجين النحل ، فقال من أنت ؟ قال أنا عبد الله ابن صبيغ ، فأخذ عمر عرجونا من تلك العراجين حتى دمى رأسه وفي رواية فضربه بالجريد حتى ترك ظهره دبره وفي رواية أنه كتب إلى أبى موسى الأشعري : لا يجالسه أحد من المسلمين . وقد ورد أيضا أن الإمام مالكا ، رضي الله عنه سئل عن الاستواء ، فأجاب السائل : بأن الاستواء معلوم والكيف مجهول والسؤال عن هذا بدعة وأظنك رجل سوء ، أخرجوه . يعنى ، رضي الله عنه ، أن الاستواء معلوم محامله واستعمالاته في اللغة ، وكيفيته المرادة من محامله الصحيحة عقلا في حقه تعالى مجهولة لعدم تعيين قاطع لها ، والسؤال عن تعيين المراد من ذلك بغير دليل شرعي بدعة ، والسالك طريق البدعة رجل سوء يجب أن يخرج ويهجر لئلا يلحق شؤم بدعته لمن جالسه . وقد ورد في هذا المعنى كثير من الآثار لذا سلك السلف مسلك الإيمان بالمتشابه مع تفويض علم المراد به إلى الله تعالى ومع اعتقاد التنزيه عما يدل عليه الظاهر ولهذا سموا بالمفوضة . « المذهب الثاني » مذهب الخلف وهم المؤولة وهم فريقان : « الفريق الأول » يحمل اللفظ الذي استحال ظاهره على معنى صحيح لائق به جل وعلا عقلا وشرعا على وجه يصح استعمال ذلك اللفظ في ذلك المعنى لغة وحاصله أنه يحمل اللفظ بعد تقدير استعماله في الحقيقة على أقرب مجاز