محمد علي سلامة
95
منهج الفرقان في علوم القرآن
وخلا قلبه من الصبر في السراء والبأساء فهو في هلع وجزع وغمط للحق ، لا شك أن هذا خاسر هالك قد أضاع عمره فيما لا يفيده . « ثانيهما » استنارت بصيرته بعقيدة الإيمان وقام بالأعمال الصالحة لخير نفسه وخير غيره فأفاد نفسه وأفاد المجموع وجعل الحق رائده والصبر في جميع المواطن هاديا له ولغيره وينطوى تحت هذه الفضائل من تربية القوتين النظرية والعملية ويعود بالسعادة على العالم ما لو أردنا تقصيه لطال بنا المقام فعجيب أن تعد هذه السورة وما قبلها من الأساليب الخارجة عن المألوف في الخطاب ولكنه الجهل يدفع بصاحبه إلى الخطأ عصمنا اللّه من الزلل في القول والعمل . « رابعا » قالوا إن القسم المكي قد كثر فيه القسم بالأشياء المحسوسة من الأمكنة والأزمنة والثمار وما ذاك إلا لأن أهل مكة قوم مداركهم لا تعدو المحسوسات فكان القرآن متأثرا بوسطهم بخلاف القسم المدني فإنه لم يشتمل على ذلك ضرورة أن اليهود كانوا بالمدينة وهم قوم مهذبون تعلو مداركهم إلى ما فوق المحسوسات لذا تأثر القرآن هناك بوسطهم ويجعلون هذا الاختلاف دليلا على أن الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم هو الذي أتى بالقرآن من عند نفسه . وللرد على هذه الشبهة نقول : 1 - قد بينا فيما تقدم أن أهل مكة كانوا أرقى العرب فصاحة وبلاغة وكان إليهم الحكم النافذ في خطب العرب وقصائدهم وكان ذلك من أكبر مفاخرهم وكيف لا يعرفون غير المحسوسات وقد طولبوا بالإيمان باللّه وبصفاته بما غاب عنهم من اليوم الآخر وما فيه وأقيمت عليهم الأدلة العقلية والكونية فهل يخاطب بهذا ويطالب به من لا يدرك ما وراء الحس فوصف أهل مكة بالانحطاط العقلي لا يكون إلا ممن تجرد من عقله وعميت بصيرته . 2 - إن القسم بهذه الأشياء قد كثر في القسم المكي لأن دعوة أهل مكة كانت إلى أصول الإيمان من الإلهيات وغيرهما وبيان الحجج الدالة على ذلك في القسم بهذه الأشياء العظيمة التنبيه على أنها آيات ودلائل على قدرة اللّه تعالى والإشارة إلى ما في هذه الأشياء من المنافع العظيمة وبذلك تنتقل عقولهم من الاهتداء بها إلى الاعتراف بالخالق جلا وعلا واللّه تعالى أقسم لهم بما فيه النفع لهم من المحسوسات كالشمس