محمد علي سلامة

93

منهج الفرقان في علوم القرآن

على شدة القسم المكي بسور تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ و الْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ و أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ وغير ذلك وجعلوا هذا دليلا على اختلاف القرآن باختلاف الوسط تشكيكا في أنه من عند اللّه . « وللرد على هذه الشبهة » نقول : 1 - إن كلا من القسم المكي والمدني يشتمل على الشدة والوعيد إذا اقتضى المقام ذلك ويشتمل على اللين والعفو إذا دعا الحال إلى ذلك وهذا شأن القرآن الكريم في البشارة والنذارة والوعد والوعيد وأنواع خطاباته ، اقرأ ما جاء في سورة الأعراف المكية خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ وفي سورة فصلت المكية إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ - إلى قوله - وَما يُلَقَّاها إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ واقرأ قوله تعالى في سورة البقرة المدنية وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ - إلى قوله - فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ . وقوله فيها الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وقوله في سورة آل عمران المدنية إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَأُولئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ وقوله تعالى في سورة النساء المدنية وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً وبهذا تعلم أن المكي كما اشتمل على الوعيد اشتمل على اللين وأن القسم المدني كما اشتمل على اللين اشتمل على الوعيد والتهديد فالقول بأن بينهما فرقا واختلافا ذلك قول من لم يقرأ القرآن ولم يعرف مكيه من مدنيه . 2 - إن ما ذكره صاحب الشبهة من السور المذكورة نشأ من جهله بأسباب النزول وبما اشتملت عليه من المعاني التي فيها صلاح الأمة وسعادتها . ولنذكر سبب نزول تَبَّتْ يَدا نقلا عن الواحدي في أسباب النزول فقد روى عن ابن عباس قال « صعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ذات يوم الصفا فقال يا صباحاه فاجتمعت إليه