محمد علي سلامة

85

منهج الفرقان في علوم القرآن

ثالثا : المكي ما نزل قبل الهجرة وإن كان نزوله بغير مكة ، والمدني ما نزل بعد الهجرة وإن نزل بغير المدينة وهذا الاصطلاح لوحظ فيه الزمان وعليه فقوله تعالى وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ « 1 » مدنى وإن كان نزوله بمكة في حجة الوداع بمنى يوم النحر فإن نزول هذه الآية هناك لا يخرجها عن المدني في الاصطلاح لأن ما نزل بعد الهجرة مدنى سواء نزل بالمدينة أو بغيرها وكذلك قوله تعالى إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها « 2 » فإنه نزل بمكة بعد الهجرة عام الفتح وعليه فهو مدنى بحسب هذا الاصطلاح . وهذا الاصطلاح هو المشهور بين العلماء لأنه اصطلاح ضابط حاصر للأقسام مطرد بخلاف الأول والثاني فإن الأول غير ضابط ولا حاصر لما يلزمه من الواسطة والواسطة يلزمها تعدد الأمكنة والأزمنة مثل ما نزل بتبوك وما نزل ببيت المقدس وما نزل في الغزوات وغير ذلك فلا تكون القسمة ثنائية « والثاني » غير مطرد لأنه منقوض بسورة البقرة وفيها يا أيها الناس وهي مدنية لا مكية وبسورة الحج فهي مكية وفيها يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وبسورة النساء فإنها مدنية مع كونها مفتتحة بيا أيها الناس . قال القاضي إن كان الرجوع في هذا إلى النقل فمسلم وإن كان السبب فيه حصول المؤمنين بالمدينة على الكثرة دون مكة فضعيف إذ يجوز خطاب المؤمنين بصفتهم وباسمهم وجنسهم ويؤمر غير المؤمنين بالعبادة كما يؤمر المؤمنون بالاستمرار عليها والازدياد منها وعلى هذا فكل من الاصطلاحين الأولين لا عبرة به والمشهور الثالث . وعلى ذلك فما نزل على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في سفر الهجرة مكي وما نزل في السفر بعد الهجرة مدنى ومن ذلك سورة الفتح فإنها نزلت عليه صلّى اللّه عليه وسلّم في بعض أسفاره ، وآية الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ . . . إلخ « 3 » فإنها نزلت بعرفة يوم الجمعة في

--> ( 1 ) سورة البقرة ( الآية 281 ) ( 2 ) سورة النساء ( الآية 58 ) ( 3 ) سورة المائدة ( الآية 3 )