محمد علي سلامة
168
منهج الفرقان في علوم القرآن
السبب في اختلاف القراءات والسبب في اختلاف القراءات السبع وغيرها أن عثمان رضى اللّه عنه لما كتب المصاحف ووجه بها إلى الأقاليم كان بكل إقليم من الصحابة من يحمل عنه أهله القرآن وكانت المصاحف خالية من النقط والشكل فثبت أهل كل ناحية على ما تلقوه سماعا من الصحابة الذين عندهم بشرط موافقة المصحف والعربية وتركوا ما يخالف خط المصحف امتثالا لما أمر به عثمان وأجمع عليه الصحابة لما رأوا في ذلك الاحتياط للقرآن ، والصحابة إنما كانوا يقرءونهم بما تلقوه عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . ومن أجل ذلك نشأ الاختلاف بين قراء الأمصار مع كونهم متمسكين بحرف واحد وهو حرف قريش ، وقد ظن بعض الناس أن القراءات قد أخذت من المصحف ، وليس كذلك لخلوه في أول الأمر من النقط والشكل ، نعم المصحف كتب بصورة تحتمل القراءات المختلفة في الأغلب ولكنه لم يكن إماما ودليلا في كيفية النطق والأداء وإنما الاعتماد في ذلك على الرواية والتلقي والسماع . وإنما كان المصحف إماما ودليلا فيما يعينه من ترتيب يمنع التقديم والتأخير ، ومن حصر يمنع الزيادة والنقصان ، وإبدال لفظ بلفظ آخر وإن كان بمعناه ، وبهذا قد تلخص أن سبب الاختلاف أن الصحابة في الأقاليم المختلفة الذين عنوا بإقراء القرآن كله لم يقرئه كل منهم أهل إقليمه بجميع القراءات المنزلة بل أقرأهم ببعضها وثبتوا على ذلك البعض وهكذا في الجهات المختلفة كما تقدم . ويدل على أن الاعتماد إنما هو على الحفظ والتلقي أمران : « أولهما » ما ورد في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم أنه صلّى اللّه عليه وسلّم قال « إن ربى قال لي قم في قريش فأنذرهم فقلت أي رب إذا يبلغوا « أي يشدخوا » رأسي فقال : إني مبتليك ومبتل بك ، ومنزل عليك كتابا لا يغسله الماء تقرأه نائما ويقظانا ؛ فابعث جندا أبعث مثليهم وقاتل بمن أطاعك من عصاك ، وأنفق أنفق عليك » .