محمد علي سلامة

110

منهج الفرقان في علوم القرآن

ثم أن عثمان لم يفعل ذلك إلا بعد أن استشار الصحابة وكان ذلك على ملأ منهم فقد ذكر أبو بكر الأنباري في كتاب الرد عن سويد بن غفلة قال « سمعت علي بن أبي طالب كرم اللّه وجهه يقول : يا معشر الناس ، اتقوا اللّه وإياكم والغلو في عثمان وقولكم حراق مصاحف ، فو اللّه ما حرقها إلا عن ملأ منا أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم » . وعن عمرو بن سعيد قال : ( قال علي بن أبي طالب رضى اللّه عنه : لو كنت الوالي وقت عثمان لفعلت في المصاحف مثل الذي فعل عثمان ) وفي أمر عثمان بتحريق الصحف والمصاحف حين جمع القرآن جواز تحريق الكتب التي فيها أسماء اللّه تعالى وأن ذلك إكرام لها وصيانة عن الوطء بالأقدام وطرحها في الأرض وقد كان طاوس يحرق الرسائل إذا اجتمعت عنده وفيها بسم اللّه الرحمن الرحيم ، وحرق عروة بن الزبير كتب فقه كانت عنده يوم الحرة ، وقال القاضي أبو بكر : جائز للإمام تحريق الصحف التي فيها القرآن إذا أداه إليه اجتهاده وجزم عياض بأنهم غسلوا ما بأيديهم من الصحف بالماء ثم أحرقوها مبالغة منهم في إذهابها . والسبب الباعث على جمع القرآن في عهد عثمان : هو دفع الاختلاف والتنازع في القرآن وقطع للمراء فيه ، وخشية الفتنة من أجل الاختلاف ، وحمل الناس على القراءة بوجه واحد لذلك وأما قبله فقد كانت المصاحف بوجوه القراءات على الحروف السبعة التي أنزل بها القرآن ولم تحتج الصحابة في أيام أبى بكر وعمر إلى جمعه على الوجه الذي جمعه عليه عثمان ، لأنه لم يحدث في أيامهما من الخلاف ما حدث في أيام عثمان ، ولقد وفقه اللّه لأمر عظيم فرفع الاختلاف ، وجمع الكلمة وأراح الأمة ، ولهذا لم ينكر عليه أحد بل رضوا فعله هذا وعدوه من مناقبه وآثاره الخالدة رضى اللّه عنه وعنهم أجمعين . وأن الجمع في عهد عثمان قد امتاز بالأمور الآتية : ( أولها ) الاقتصار في المصحف على حرف واحد وهو حرف قريش كما سبق بيانه .