نبيل أحمد صقر

269

منهج الإمام الطاهر بن عاشور في التفسير ( التحرير والتنوير )

الأرض في قبضته ومن كانت السماوات مطويّة أفلاكها وآفاقها بيده تشبيه المعقول بالمتخيل ، وهي تمثيلية تنحلّ أجزاؤها إلى استعارتين ، فيها دلالة على أن الأرض والسماوات باقية غير مضمحلة ، ولكن نظامها المعهود اعتراه تعطيل ، وفي الصحيح عن أبي هريرة قال : سمعت رسول اللّه عليه وسلم يقول : « يقبض اللّه الأرض ويطوى السماوات بيمينه ثم يقول أنا الملك ، أين ملوك الأرض » . وعن عبد اللّه بن مسعود قال : جاء حبر من الأحبار إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال : يا محمد إنّا نجد أن اللّه يجعل السماوات على إصبع ، والأرضين على إصبع ، والشجر على إصبع ، والماء والثرى على إصبع ، وسائر الخلق على إصبع . فيقول أنا الملك ، فضحك رسول اللّه حتى بدت نواجذه تصديقا لقول الحبر ، ثم قرأ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ » « 1 » . ويقول في آخر تفسيره لهذه الآية : « إنما كان ضحك النبي - صلى اللّه عليه وسلم - استهزاء بالحبر في ظنه أن اللّه يفعل ذلك حقيقة وأن له يدا وأصابع حسب اعتقاد اليهود التجسيم ، ولذلك أعقبه بقراءة " وما قدروا اللّه حق قدره " لأن افتتاحها يشتمل على إبطال ما توهمه الحبر ونظراؤه في الجسمية ، وذلك معروف من اعقادهم ، وقد ردّه القرآن عليهم غير مرة مما هو معلوم ، فلم يحتج النبي - ص - إلى التصريح بإبطاله ، واكتفى بالإشارة التي يفهمها المؤمنون ، ثم أشار إلى ما توهمه اليهودي توزيعا على الأصابع إنما هو مجاز عن الأخذ والتصرف » « 2 » .

--> ( 1 ) التحرير والتنوير ج 24 ص 63 ( 2 ) المرجع نفسه والصفحة نفسها