نبيل أحمد صقر
265
منهج الإمام الطاهر بن عاشور في التفسير ( التحرير والتنوير )
اقتضاء جهة الذات ، ومقدار يحاط بجميعه أو ببعضه إذا كانت الرؤية بصرية ، فلا جرم أن يعد الوعد برؤية أهل الجنة ربهم تعالى من قبيل المتشابه » . " ولعلماء الإسلام في ذلك أفهام مختلفة ، فأما صدر الأمة وسلفها فإنهم جروا على طريقتهم التي تخلقوا بها من سيرة النبي صلى اللّه عليه وسلم من الإيمان بما ورد من هذا القبيل على إجماله ، وصرف أنظارهم عن التعمق في تشخيص حقيقته وأدرجه تحت أحد أقسام الحكم العقلي ، فقد سمعوا هذا ونظائره كلها أو بعضها أو قليلا منها ، فما شغلوا أنفسهم به ولا طلبوا تفصيله ، ولكنهم انصرفوا إلى ما هو أحق بالعناية وهو التهمم بإقامة الشريعة وبثها وتقرير سلطانها ، مع الجزم بتنزيه اللّه تعالى عن اللوازم العارضة لظواهر تلك الصفات ، جاعلين إمامهم المرجوع إليه في كل هذا قوله تعالى لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ « 1 » . أو ما يقارب هذا من دلائل التنزيه الخاصة بالتنزيه عن بعض ما ورد الوصف به مثل قوله لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ « 2 » بالنسبة إلى مقامنا هذا مع اتفاقهم على عدم العلم بتفصيل ذلك لا يقدح في عقيدة الإيمان ، فلما نبع في علماء الإسلام تطلب معرفة حقائق الأشياء وألجأهم البحث العلمي إلى التعمق في معاني القرآن ودقائق عباراته وخصوصيات بلاغته ، لم يروا طريقة السلف مقنعة لأفهام أهل العلم من الخلف لأن طريقتهم في العلم طريقة تمحيص وهي اللائقة بعصرهم ، وقارن ذلك ما حدث في فرق الأمة الإسلامية من النحل الاعتقادية ، والقاء شبه الملاحدة على المنتمين إلى الإسلام وغيرهم ، وحدا بهم ذلك إلى
--> ( 1 ) سورة الشورى الآية 11 . ( 2 ) سورة الأنعام الآية 103 .