نبيل أحمد صقر
226
منهج الإمام الطاهر بن عاشور في التفسير ( التحرير والتنوير )
التي تسمى عقلا ، وأما فطرة الذهن بالجملة ، فربما كانت كاذبة ، وإنما يكون هذا الكذب في الأمور التي ليست محسوسة بالذات بل هي مبادئ للمحسوسات . فالفطرة الصادقة هي مقدمات وآراء مشهورة محمودة أو جبت التصديق بها : إما شهادة الكل مثل : أن العدل جميل وإما شهادة الأكثر ، وإما شهادة العلماء أو الأفاضل منهم ، وليست الذائعات من جهة ما هي ذائعات مما يقع التصديق بها في الفطرة ، فما كان من الذائعات ليس بأوّلى عقلي ولا وهمى فإنها غير فطرية ، ولكنها متقررة عند الأنفس لأن العادة مستمرة عليها منذ الصبى وربما دعا إليها محبة التسالم والاصطناع المضطر إليهما الإنسان » « 1 » ، أو شئ من الأخلاق الإنسانية مثل الحياء والاستئناس « 2 » ، أو الاستقراء الكثير ، أو كون القول في نفسه ذا شرط دقيق لأن يكون حقا صرفا فلا يفطن لذلك الشرط ويؤخذ على الإطلاق أه » « 3 » . وفي معنى الجمال والحب ، ذكر في قوله تعالى : قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( سورة آل عمران : الآية 31 ) . ولم يستطع الفلاسفة توضيح علة ملاءمة بعض ما يعبر عنه بالجمال للنفوس : ككون الذات جميلة أو قبيحة الشكل ، وكون المربع أو الدائرة حسنا
--> ( 1 ) وهذا ما أشار إليه قوله تعالى : وَقالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثاناً مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ( سورة العنكبوت : الآية 25 ) . ( 2 ) قال تعالى حكاية عن قوم كذبوا الرسل تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونا عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتُونا بِسُلْطانٍ مُبِينٍ ( إبراهيم : 10 ) . ( 3 ) التحرير والتنوير ، ج 21 ، ص 90 .