نبيل أحمد صقر

220

منهج الإمام الطاهر بن عاشور في التفسير ( التحرير والتنوير )

البعيد التفادى من دفع أضرار المحارب عن قوم كان فيهم بتسليط ضره على قوم آخرين وهو نظر يحمل على التأويل ، ولكن قد بين العلماء أن النفي يحصل به دفع الضر لأن العرب كانوا إذا أخرج أحد من وطنه ذل وحصدت شوكته ، قال امرؤ القيس : به ذئب يعوى كالخليج المعبل وذلك حال غير مختص بالعرب فإن للمرء في بلده وقومه من الإقدام ما ليس له في غير بلدة . على أن من العلماء من قال : ينفون إلى بلد بعيد منحاز إلى جهة بحيث يكون فيه كالمحصور . قال أبو الزناد : كأن النفي قديما إلى ( دهلك ) وإلى ( باضع ) وهما جزيرتان في بحر اليمن » « 1 » . واللغة هنا كانت عونا له في استنباط معنى النفي ، وهو عدم الوجود ، والمراد : الإبعاد جزاء لمن يحاربون اللّه ورسوله ، وما قال به أبو حنيفة وبعض العلماء إنه السجن دفعا للضر الذي يسببونه هؤلاء إذا نفوا إلى ديار قوم آخرين ، وذلك ما حملهم على هذا التأويل ، ومن ثم ذهب ابن عاشور يذكر أقوالا أخرى على لسان فقهاء آخرين ، والنفي يحصل به دفع الضر على عادة العرب ، وإن ذلك أمر غير مختص بالعرب ، فالنفى أو المستبعد إلى غير دياره لا يملك الفعل أو القول الحر ، أما ما ذكره عن بعض العلماء " ينفون إلى بلد بعيد " ، وقول أبى الزناء " كان النفي قديما إلى دهلك " فهو إصرار من المفسر على المعنى اللغوي للنفي كما عرفه العرب من كلامهم ، وتقريره لما ذهب إليه أبو حنيفة وبعض العلماء كان تقديرا للبواعث فحسب .

--> ( 1 ) التحرير والتنوير ، ج 6 ، ص 184 .