نبيل أحمد صقر

145

منهج الإمام الطاهر بن عاشور في التفسير ( التحرير والتنوير )

« إن التابعين قالوا أقوالا في معاني القرآن لم يسندوها ولا ادعوا أنها محذوفة الأسانيد ، وقد اختلفت أقوالهم في معاني آيات كثيرة اختلافا ينبئ إنباء واضحا بأنهم إنما تأولوا تلك الآيات من أفهامهم كما يعلمه من له علم بأقوالهم ، وهي ثابتة في تفسير الطبري ونظرائه ، وقد التزم الطبري في تفسيره أن يقتصر على ما هو مروى عن الصحابة والتابعين ، لكنه لا يلبث في كل آية أن يتخطى ذلك إلى اختياره منها وترجيح بعضها على بعض بشواهد من كلام العرب ، وحسبه بذلك تجاوزا لما حدده من الاقتصار على التفسير بالمأثور وذلك طريق ليس بنهج ، وقد سبقه إليه بقي بن مخلد ولم نقف على تفسيره ، وشاكل الطبري فيه معاصروه ، مثل ابن حاتم وابن مردويه والحاكم ، فلله در الذين لم يحبسوا أنفسهم في تفسير القرآن على ما هو مأثور مثل الفراء وأبى عبيدة من الأولين ، والزجاج والرّمانى ممن بعدهم ، ثم الذين سلكوا طريقهم مثل الزمخشري وابن عطية » « 1 » . وهذه ضوابط استخلصها ابن عاشور من المراحل المتعاقبة لتاريخ التفسير التي تنوعت فيها أدوات المفسرين واتجاهاتهم ، خصوصا أصحاب الاتجاهات الإخبارية والنزعات الحزبية ، أو الإشارات الصوفية أو القصصية ، وأقحموا في التفسير ما لا خير فيه ، وجاءوا بالموضوعات والإسرائيليات ، وابتعدوا عن أصالة العربية ومقاصد الشريعة ، وضيقوا معاني الآية ، واستباحوا لأنفسهم أن يقولوا دون علم أو تأويل صحيح . أما هؤلاء الذين خلصت نياتهم وسلمت قلوبهم واكتملت أدواتهم وقدراتهم والذين عرفهم تاريخ التفسير من صحابة وتابعين ومفسرين فلهم أن يقولوا بما هداهم اللّه إليه ، وقد راح ابن عاشور وفق هذه الضوابط التي انتهى إليها في ( التفسير بالرأي ) يفسر آيات الكتاب الكريم ، يستعين أولا بمقومات

--> ( 1 ) التحرير والتنوير ، ج 1 ، ص 33 .