نبيل أحمد صقر
13
منهج الإمام الطاهر بن عاشور في التفسير ( التحرير والتنوير )
« ولكن كنت على كلفتى بذلك أتجهم التقحم على هذا المجال ، وأحجم عن الزج بسية قوسي في هذا النضال ، اتقاء ما عسى أن يعرض له المرء نفسه من متاعب تنوء بالقوة ، أو فلتأت سهام الفهم وإن ساعد الذهن كمال الفتوة » « 1 » . ويتابع وصفه لهذه المرحلة وتأجيله تحقيق رغبة نفسه في إنجاز مثل هذا العمل ، والعقبات التي تحول بينه وبين هذا التحقيق إلى أن فتح اللّه عليه : « فبقيت أسوّف النفس مرة ومرة أسومها زجرا ، فإن رأيت منها تصميما أحلتها على فرصة أخرى ، وأنا آمل أن أمنح من التيسير ، وما يشجع على قصد هذا الغرض العسير ، وفيما أنا بين إقدام وإحجام ، أتخيل هذا الحقل مرة القتاد وأخرى الثمام ، إذا أنا بأملى قد خيل إلىّ أنه تباعد أو انقضى ، إذ قدّر أن تسند إلىّ خطة القضا ، فبقيت متلهفا ولات حين مناص ، وأضمرت تحقيق هاته الأمنية متى أجمل اللّه الخلاص ، وكنت أحادث بذلك الأصحاب والإخوان ، وأضرب المثل بأبى الوليد بن رشد في كتاب البيان ، ولم أزل كلما مضت مدة يزداد التمني وأرجو إنجازه ، إلى أن أوشك أن تمضى عليه مدة الحيازة ، فإذا اللّه قد منّ بالنقلة إلى خطة الفتيا . وأصبحت الهمة مصروفة إلى ما تنصرف إليه الهمم العليا ، فتحول إلى الرجاء ذلك اليأس ، وطمعت أن أكون ممن أوتى الحكمة فهو يقضى بها ويعلمها الناس ، هنالك عقدت العزم على تحقيق ما كنت أضمرته ، واستعنت باللّه تعالى واستخرته ، وعلمت أن ما يهول من توقع كلل أو غلط ، لا ينبغي أن يحول بيني وبين نسج هذا النمط ، إذا بذلت الوسع في الاجتهاد ، وتوخيت طرق الصواب والسداد » « 2 » .
--> ( 1 ) التحرير والتنوير ، ص 5 ، ج 1 . ( 2 ) التحرير والتنوير ، ص 6 ، ج 1 .