احمد احمد بدوي
66
من بلاغة القرآن
يستدعى عزة المحذر ، وحكمة المشرع . وقوله تعالى : وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 31 ) قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ( 32 ) ( البقرة 31 ، 32 ) . فالمقام هنا مقام للتعليم ، ووضع هذا التعليم في موضع دون سواه ، فناسب ذلك وصفه تعالى بالعلم والحكمة . وقوله تعالى : هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( آل عمران 6 ) . فالتفرد بالألوهية ، والتصرف المطلق في اختيار ما يشاء ، ثم تصوير الجنين على صورة خاصة ، كل ذلك يناسب وصفه تعالى بالعزة والحكمة . وقوله تعالى : بَلى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هذا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ ( 125 ) وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ( 126 ) ( آل عمران : 125 ، 126 ) . فإمداد المؤمنين بالملائكة لتطمئن قلوبهم من نعم حكيم ، يمهد للمسببات بأسبابها ، والنصر لا يكون إلا من عزيز يهبه لمن يشاء . وقوله تعالى : يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 70 ) وَإِنْ يُرِيدُوا خِيانَتَكَ فَقَدْ خانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( 71 ) ( الأنفال : 70 ، 71 ) . فهو عليم بخيانتهم ، حكيم في التمكين منهم . وربما احتاج الأمر إلى إمعان وتدبر ، لمعرفة سر اختتام الآية بهذا الوصف ، ويبدو أن ختمها بسواه أولى ، ومن ذلك قوله تعالى : إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( المائدة 118 ) . فقد يبدو بادئ ذي بدء أن قوله : وإن تغفر لهم ، يحتم أن تكون الفاصلة الغفور الرحيم ، ولكن تأملا هادئا يهدى إلى أنه لا يغفر لمن استحق العذاب إلا من ليس فوقه أحد ، يرد عليه حكمه ، فهو عزيز غالب ، وحكيم يضع الشيء في موضعه ، وقد يخفى وجه الحكمة على الناس فيما يفعل ، فيتوهم أنه خارج عن الحكمة ، وليس كذلك ، فكان الوصف بالحكيم احتراسا حسنا ، أي وإن تغفر لهم مع استحقاقهم العذاب ، فلا اعتراض لأحد عليك في ذلك ، والحكمة فيما فعلته ، ونظير ذلك قوله تعالى في سورة التوبة : أُولئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( التوبة 71 ) . وفي سورة الممتحنة : وَاغْفِرْ لَنا رَبَّنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( الممتحنة 5 ) . وفي سورة غافر : رَبَّنا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( غافر 8 ) . وفي سورة النور : وَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ ( النور 10 ) . فقد يكون من المناسب في بادئ الرأي أن يوصف سبحانه هنا بتواب رحيم ؛ لأن الرحمة