احمد احمد بدوي

59

من بلاغة القرآن

وتوحى كلمة شَنَآنُ في قوله سبحانه : وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أَنْ تَعْتَدُوا ( المائدة 2 ) . توحى بهذا الجوى ، الذي يملأ الصدر ، حتى لا يطيق المرء رؤية من يبغضه ، ولا تستسيغ نفسه الاقتراب منه . ولما سمعنا قوله تعالى لعيسى بن مريم : إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ( النساء 55 ) . أوحى إلينا التعبير بالتطهير ، بما يشعر به المؤمن باللّه نحو قوم مشركين ، اضطر إلى أن يعيش بينهم ، فكأنهم يمسونه برجسهم ، وكأنه يصاب بشيء من هذا الرجس ، فيطهر منه إذا أنقذ من بينهم . وكلمة سُكِّرَتْ في قوله سبحانه : وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ ( 14 ) لَقالُوا إِنَّما سُكِّرَتْ أَبْصارُنا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ ( الحجر 14 ، 15 ) . قد عبر بها الكافرون عما يريدون أن يوهموا به ، عما حدث لأبصارهم من الزيغ ، فكانت كلمة سُكِّرَتْ ، وهي مأخوذة من السكر دالة أشد دلالة على هذا الاضطراب في الرؤية ، ولا سيما أن هذا السكر قد أصاب العين واستقل بها ، ومعلوم أن الخلط من خصائص السكر ، فلا يتبين السكران ما أمامه ، ولا يميزه على الوجه الحق . واختار القرآن عند عد المحرمات كلمة أُمَّهاتُ ، إذ قال : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَبَناتُكُمْ وَأَخَواتُكُمْ ( النساء 3 ) . وآثر كلمة الْوالِداتُ في قوله سبحانه : وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ ( البقرة 233 ) ، لما أن كلمة ( الأم ) تبعث في النفس إحساسا بالقداسة ، وتصور شخصا محاطا بهالة من الإجلال ، حتى لتشمئز النفس وتنفر أن يمس بما يشين هذه القداسة ، وذلك الإجلال ، وتنفر من ذلك أشد النفور ، فكانت أنسب كلمة تذكر عند ذكر المحرمات ، وكذلك تجد كل كلمة في هذه المحرمات مثيرة معنى يؤيد التحريم ، ويدفع إليه ، أما كلمة الوالدات فتوحى إلى النفس بأن من الظلم أن ينزع من الوالدة ما ولدته ، وأن يصبح فؤادها فارغا ، ومن هنا كانت كل كلمة منهما موحية في موضعها ، آخذة خير مكان تستطيع أن تحتله . وقد تكون الكلمة في موضعها مثيرة معنى لا يراد إثارته ، فيعدل عنها إلى غيرها ، تجد ذلك في قوله سبحانه : وَأَنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا مَا اتَّخَذَ صاحِبَةً وَلا وَلَداً ( الجن 3 ) . فقد آثر كلمة صاحِبَةً على زوج وامرأة ، لما تثيره كلاهما من معان ، لا تثيرهما في عنف مثلهما - كلمة صاحبة . وقد يكون الجمع بين كلمتين هو سر الإيحاء ومصدره ، كالجمع بين النَّاسُ وَالْحِجارَةُ في قوله تعالى : فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ ( البقرة 24 ) . فهذا الجمع يوحى إلى النفس بالمشاكلة