احمد احمد بدوي

55

من بلاغة القرآن

النَّارِ ( 64 ) . فنراه قد استخدم كلمة أَهْلِ وهي هنا أولى بهذا المكان من كلمة ( أصحاب ) ، لما تدل عليه تلك من الإقامة في النار والسكنى بها . وكلمة ( ميراث ) في قوله تعالى : وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ( آل عمران 180 ) . واقعة موقعها ، وهي أدق من كلمة ( ملك ) في هذا الموضع ، لما أن المال يرى في أيدي مالكيه من الناس ، ولكنه سوف يصبح ميراثا للّه . وقد يحتاج المرء إلى التريث والتدبر ، ليدرك السر في إيثار كلمة على أخرى ، ولكنه لا يلبث أن يجد سمو التعبير القرآني ، فمن ذلك قوله تعالى : قالُوا إِنْ هذانِ لَساحِرانِ يُرِيدانِ أَنْ يُخْرِجاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِما وَيَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلى ( 63 ) فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلى ( 64 ) قالُوا يا مُوسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقى ( 65 ) ( طه 63 - 65 ) . فقد يبدو للنظرة العاجلة أن الوجه أن يقال : إما أن تلقى وإما أن نلقى ، وربما توهم أن سر العدول يرجع إلى مراعاة النغم الموسيقى فحسب ، حتى تتفق الفواصل في هذا النغم ، وذلك ما يبدو بادئ الرأي ، أما النظرة الفاحصة فإنها تكشف رغبة القرآن في تصوير نفسية هؤلاء السحرة ، وأنهم لم يكونوا يوم تحدوا موسى بسحرهم ، خائفين ، أو شاكين في نجاحهم ، وإنما كان الأمل يملأ قلوبهم ، في نصر مؤزر عاجل ، فهم لا ينتظرون ما عسى أن تسفر عنه مقدرة موسى عندما ألقى عصاه ، بل كانوا مؤمنين بالنصر سواء أألقى موسى أولا ، أم كانوا هم أول من ألقى . ومن ذلك قوله تعالى : وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتابِ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ ( البقرة 176 ) . فقد يتراءى أن وصف الشقاق ، وهو الخلاف ، بالقوة أولى من وصفه بالبعد ، ولكن التأمل يدل على أن المراد هنا وصف خلافهم بأنه خلاف تتباعد فيه وجهات النظر إلى درجة يعسر فيها الالتقاء ، ولا يدل على ذلك لفظ غير هذا اللفظ الذي اختاره القرآن . ومن ذلك قوله تعالى : وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالًا وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ ( الحج 27 ) . فربما كانت الموسيقى ، والفاصلة في الآية السابقة دالية - تجعل من المناسب أن يوصف الفج بالبعد ، فيقال : فج بعيد ، ولكن إيثار الوصف بالعمق ، تصوير لما يشعر به المرء أمام طريق حصر بين جبلين ، فصار كأن له طولا ، وعرضا ، وعمقا . وإيثار كلمة مَسْكُوبٍ في قوله تعالى : وَأَصْحابُ الْيَمِينِ ما أَصْحابُ الْيَمِينِ ( 27 ) فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ ( 28 ) وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ ( 29 ) وَظِلٍّ مَمْدُودٍ ( 30 ) وَماءٍ مَسْكُوبٍ ( 31 ) ( الواقعة 27 - 31 ) .