احمد احمد بدوي
48
من بلاغة القرآن
نظم القرآن فلا انحطاط في جميع ما يتصرف فيه عن المنزلة العليا ، ولا إسفاف فيه إلى المرتبة الدنيا . ومن ذلك أن المعاني التي جاء بها القرآن ، وتعالج أحكام الشريعة ، والاحتجاج في الدين ، والرد على المتحدّين ، قد اتسقت في أسلوب بديع يتعذر على البشر ؛ لأنه قد علم أن تخير الألفاظ للمعاني المتداولة المألوفة أسهل وأقرب من تخير الألفاظ لمعان مبتكرة ، فإذا برع اللفظ في المعنى البارع كان ألطف وأعجب من أن يوجد اللفظ البارع في المعنى المتداول . ومن ذلك أن الكلام يبين فضله ، ورجحان فصاحته ، بأن يذكر في تضاعيف كلام ، فتأخذه الأسماع ، وتتشوق إليه النفوس ، ويرى وجه رونقه باديا ، غامرا سائر ما يقرن به ، كالدرة التي ترى في سلك من خرز ، وكالياقوتة في وسط العقد ، وأنت ترى الآية من القرآن ، يتمثل بها في تضاعيف كلام كثير ، وهي غرة جميعه ، وواسطة عقده ، والمنادى على نفسه ، بتميزه وتخصصه برونقه وجماله . وجه الإعجاز الحق إذا هو ما اتسم به القرآن من بلاغة ، تحير فيها أهل الفصاحة من العرب ، وأعيان البلاغة من بينهم ، فسلموا ، ولم يشغلوا أنفسهم بمعارضته ؛ لعلمهم بالعجز عن بلوغ مداه ، وقوله تعالى حكاية عنهم : لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا ( الأنفال 31 ) . يحمل دليل عجزهم ، فلو كانوا على ما وصفوا به أنفسهم : من القدرة على المجيء بمثل القرآن ، لتجاوزوا الوعد إلى الوفاء بما ادعوا ، فلما لم ينجزوا ما وعدوا ، علم عجزهم وقصور باعهم « 1 » . ولما كانت البلاغة سر هذا الإعجاز ، وجب أن نلتمس أسبابها ، وندرك مظاهرها ، ونضع اليد على الخصائص التي تعرض في نظم الكلم ، حتى لا نكون مقلدين فيما نعلم ، وحتى تكون معرفتنا معرفة الصانع الحاذق ، الذي يعلم كل خيط من الإبريسم الذي في الديباج ، وكل قطعة من القطع المنجورة في الباب المقطع ، وكل آجرة من الآجر الذي في البناء البديع « 2 » . * * *
--> ( 1 ) راجع من ادعى معارضة القرآن وما عورض به في كتاب إعجاز القرآن للرافعي من 228 وما يليها . ( 2 ) دلائل الإعجاز ص 31 .