احمد احمد بدوي
45
من بلاغة القرآن
قال النظام : « إن اللّه تعالى ما أنزل القرآن ليكون حجة على النبوة ، بل هو كسائر الكتب المنزلة ، لبيان الأحكام : من الحلال والحرام ، والعرب إنما لم يعارضوه لأن اللّه تعالى صرفهم عن ذلك . وهذا هو المذهب المعروف بمذهب الصرفة ، وهو مذهب باطل لوجوه : أولها : أنه لو لم يكن معجزا لما فيه من ألوان البلاغة وفنون البيان ، لكان إذا نزل في درجة البلاغة ، وانحط في مرتبة الفصاحة ، أبلغ في الأعجوبة ، إذا صرفوا عن الإتيان بمثله ، ولما عنى أن يكون على هذا النظام العجيب ، وأن يظفر من الفصاحة بأوفى نصيب « 1 » . ثانيها : أنهم لو كانوا قد صرفوا عن معارضته ، لم يكن من قبلهم من العرب مصروفين عنه ؛ لأنهم لم يتحدوا به ، فكان من الجائز أن نعثر في كل العرب الأقدمين على ما يشبه القرآن ، وذلك ما لم نجده في تاريخ أدبهم « 2 » . ثالثها : أنه لو كانت المعارضة ممكنة ، ولكنهم منعوا منها بالصرفة ، لم يكن الكلام معجزا ، إنما يكون المنع معجزا ، فلا يتضمن الكلام في نفسه فضيلة على غيره « 3 » فيصبح في مكنة العظماء والبلغاء - بعد زمن التحدي - أن يأتوا بمثله ، ولكن شيئا من ذلك لم يكن ، فقد أتى جهابذة الكلام بعده بما في وسعهم أن يأتوا ، واهتدى العلماء إلى تبيين أسباب الجمال في القول ، ولكن لم يستطع أحد أن يدنو من هذا المكان البعيد ، أو يقارب هذا الأفق المتسامى ، وكلما اهتدوا إلى سر من أسرار الفصاحة ، ازدادوا إيمانا بالضعف والعجز أمام كتاب اللّه . رابعها : أنه لو كان عجز العرب عن المعارضة بالصرفة ، لما استعظموا بلاغة القرآن ، وتعجبوا من حسن فصاحته ، كما أثر عن الوليد بن المغيرة حيث قال : « إن أعلاه لمورق ، وإن أسفله لمغدق ، وإن له لطلاوة ، وإن عليه لحلاوة » « 4 » . بل كان الجدير بهم أن يتعجبوا من تعذر ذلك عليهم ، بعد أن كانوا عليه قادرين « 5 » ولم يكن لتعجبهم لفصاحته وجه ، فظهر من كل ما تقدم فساد هذا المذهب . كما لا نقبل قول من قال إن وجه الإعجاز في نظم القرآن ، أنه حكاية عن كلام اللّه القديم ، لأنه لو كان كذلك لكانت التوراة والإنجيل وغيرهما من كتب اللّه معجزات ، في النظم والتأليف وما قال بذلك أحد ، ولا ذكرته تلك الكتب نفسها ،
--> ( 1 ) إعجاز القرآن ص 32 . ( 2 ) المرجع السابق نفسه . ( 3 ) المرجع السابق ص 33 . ( 4 ) الطراز ص 394 . ( 5 ) نهاية الإيجاز ص 5 .